شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٦٠ - تبصرة و تذكرة
و اما ظنهم ان البعث ليس الا ايجادا ثانيا و هو مثل الايجاد الاول فهو أيضا غير صحيح، بل البعث إنشاء اخر لا يناسب الانشاء الاول اصلا، بل للانسان نشئات كثيرة و لوجوده شئونات و تقلبات و حركات جوهرية ذاتية من نشأة الى نشأة و طور الى طور بعد نشأة الدنيا فى القبر و البرزخ و الحشر و العرض الى ان يشاء اللّه، كما له نشئات فى اطوار الخلقة الى ان انشأه اللّه خلقا اخر و هو احسن اطوار الخلقة الدنياوية، و لهذا عقب ذكره بقوله سبحانه: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (المؤمنون- ١٤)، و قال تعالى: وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (نوح- ١٤).
ثم ظهور خاصية الولاية لمن ترزق له نشأة اخرى ثم ظهور نشأة النبوة طور اخر، و اللّه باعث الرسل : كما انه باعث يوم القيامة و كما يعسر على ابن المهد فهم حقيقة التمييز، و ما ينكشف فى طور العقل من العجائب بعسر فهمه على المميز قبل حصول العقل، فكذلك يعسر فهم طور الولاية و النبوة فى طور العقل الّذي عليه اكثر الناس، و كما ان من طباع الناس انكار ما لم يبلغوه و لم ينالوه فمن طباعهم أيضا انكار الولاية و عجائبها و النبوة و غرائبها، بل من طباعهم انكار النشأة الثانية و الحياة الآخرة و هو حياة العلم و شهود الملكوت، لان نشأة الولاية و النبوة أيضا من ظهور سلطان الآخرة، فمن انكر حقيقة الآخرة فقد انكرهما لا محالة و لم يعرف النبي بما هو نبى و الولى بما هو ولى.
و لا شك ان هؤلاء المغترين بصورة العلم المشعوفين بما عندهم من العلم منكرون لهذه النشآت، اذ لا خبر لهم عن العلوم التى هى بالحقيقة علوم و عن المعارف التى اشرنا إليها، فلا جرم اعرضوا عنها و جحدوها استكبارا و عتوا و قالوا مثل ما قال الاولون، وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (الاحقاف- ١١)، و اكثرهم على طباع السباع و الاساود[١]، خلقهم الايذاء و طبعهم التفاخر و الاستيلاء على الاقران و التطاول على الناس و لا يقصدون العلم الا لضرورة ما يلزمهم من المباهاة.
[١] اى: الحيات، جمع اسود- الاوساد جمع الجمع- قال الاعشى:
\sُ تناهيتم عنا و قد كان فيكم\z اساود صرعى لم يسود قتيلها\z\E« يعنى بالاوساد شخوص القتلى».