فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٩٨ - الأمر الخامس
و الاضطرار جعل حدّا للتكليف شرعا.
فدعوى: أنّ العلم الإجمالي بالتكليف المردّد بين المحدود و غيره لا يقتضي التنجيز، ممّا لا سبيل إليها.
نعم: تصحّ هذه الدعوى مع وحدة متعلّق العلم، كما لو علم بوجوب إكرام زيد و تردّد بين اليوم و اليومين، فانّه في مثل ذلك يمكن أن يقال: بعدم وجوب الإكرام في اليوم الثاني و جريان البراءة عنه إن لم نقل بجريان استصحاب وجوب الإكرام الثابت في اليوم الأوّل.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الاضطرار إلى المعيّن لا يرفع تأثير العلم الإجمالي بالنسبة إلى الطرف الآخر إذا كان طروّ الاضطرار بعد العلم.
و أمّا الاضطرار إلى غير المعيّن، فالأقوى فيه وجوب الاجتناب عمّا عدا ما يدفع به الاضطرار مطلقا في جميع الصور، سواء كان الاضطرار قبل تعلّق التكليف بأحد الأطراف أو بعده، و سواء كان قبل العلم به أو بعده أو مقارنا له، فانّ الاضطرار إلى غير المعيّن يجتمع مع التكليف الواقعي و لا مزاحمة بينهما، لإمكان رفع الاضطرار بغير متعلّق التكليف [١] مع قطع النّظر عن العلم و الجهل
______________________________
[١] أقول: لا يخفى أن الاضطرار بغير المعيّن إنّما يجتمع مع التكليف بالمعيّن ما لم يزاحم هذا التكليف بتكليف آخر و لو عقليّا ظاهريّا، إذ حينئذ يلزم العقل بجعل الاضطرار في غير مورد التكليف، فيؤثّر التكليف بلا مزاحم في إيجاد متعلّقه.
و أمّا لو كان في البين إلزام آخر- و لو ظاهريّا- لا مجال لإلزام العقل بجعل الاضطرار في الطرف الآخر، فللمكلّف جعل اضطراره في مورد التكليف، ففي هذه الصورة يزاحم الاضطرار مورده، و لازم ذلك صلاحية مثل هذا الاضطرار لرفع اليد عن التكليف الواقعي، غاية الأمر لا مطلقا بل مشروطا باختيار ترك الآخر، و نتيجة ذلك عدم بقاء الواقع على فعليته المطلقة، بل قهرا يبقى للواقع تكليف توسّطي بين ثبوته في الواقع بقول مطلق و بين نفي التكليف رأسا، و لازمه جواز ترك الموافقة القطعيّة و إن قلنا بعليّة العلم الإجمالي، و ذلك من جهة نقص في المعلوم، لا في العلم، و حينئذ ليست المسألة من صغريات ذلك البحث، كما لا يخفى.