فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٩٥ - الأمر الخامس
و قد حكي أنّ شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- كان في الدورة السابقة بانيا على هذا الوجه و لكن عدل عنه في هذه الدورة و أجاب عن الإشكال بما سيتلى عليك قلت: العلم الإجمالي و إن كان بالنسبة إلى متعلّقه لا يكون إلّا كاشفا و طريقا، إلّا أنّه بالنسبة إلى التنجيز و جريان الأصول في الأطراف و تعارضها و تساقطها يكون تمام الموضوع، بداهة أنّه قبل العلم الإجمالي بتعلّق التكليف بأحد الأطراف لا تجري الأصول فيها لكي يقع التعارض بينها، لأنّ الأصول العمليّة إنّما جعلت وظيفة للمتحيّر و الشاكّ، و لا شكّ مع عدم العلم الإجمالي، فقبل العلم الإجمالي لا تجري الأصول النافية للتكليف في الأطراف، بعد العلم الإجمالي لا تعارض بينها، لعدم جريان الأصل في الطرف المضطرّ إليه، للقطع بعدم وجوب الاجتناب عنه، و لا يعقل التعبّد بما يكون محرزا بالوجدان، فلم يبق إلّا الطرف الآخر جاريا فيه الأصل بلا معارض. و قد عرفت في بعض المباحث السابقة التلازم بين تأثير العلم الإجمالي و تعارض الأصول.
فالأقوى: أنّه لا فرق في عدم وجوب الاجتناب عن غير المضطرّ إليه بين سبق التكليف على الاضطرار و عدمه إذا كان العلم به بعد الاضطرار.
و قس عليه ما إذا كان العلم مقارنا للاضطرار، لأنّ العلم الإجمالي إنّما يقتضي تنجيز التكليف الّذي يمكن امتثاله و الانبعاث عنه بعد العلم، فالعلم المقارن للاضطرار لا يوجب التنجيز فلا تعارض بين الأصول، و هو واضح.
هذا كلّه إذا كان الاضطرار إلى المعيّن قبل العلم الإجمالي أو مقارنا له.
و أمّا إذا كان بعد العلم الإجمالي، فالأقوى فيه وجوب الاجتناب عن الطرف الغير المضطرّ إليه، لأنّ التكليف قد تنجّز بالعلم الإجمالي فلا بدّ من الخروج عن عهدته [١] و أقصى ما يقتضيه الاضطرار إلى المعيّن هو الترخيص فيما
______________________________
[١] أقول: مجرّد حدوث العلم الإجمالي بين الشيئين لا يوجب التنجّز إلى الأبد، لأنّ كلّ طريق