فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٧٦٨ - الرابع
لتخيير المتخاصمين في العمل بأحدهما، بل لا بدّ للحاكم من اختيار مضمون أحدهما و الحكم على طبقه، لعدم فصل الخصومة إلّا بذلك.
و منها: كون التخيير استمراريّا إذا كان التخيير في المسألة الفقهيّة، لأنّه يكون كالتخيير بين القصر و الإتمام في المواطن الأربعة، فللمكلّف أن يعمل بمضمون أحد المتعارضين تارة و بمضمون الآخر أخرى، إلّا أن يقوم دليل على خلاف ذلك. و بدويّا إذا كان التخيير في المسألة الأصوليّة، فانّ معنى كون التخيير في المسألة الأصوليّة هو التخيير في جعل أحد المتعارضين حجّة شرعيّة و أخذ أحدهما طريقا محرزا للواقع، و لازم ذلك وجوب الفتوى بما اختاره أوّلا و جعل مؤدّاه هو الحكم الكلّي الواقعي المتعلّق بأفعال المكلّفين، فلا معنى لاختيار الآخر بعد ذلك.
و بالجملة: بعد ما عرفت: من أنّ مقتضى القاعدة سقوط كلّ من المتعارضين عن الحجّيّة و عدم شمول أدلّة الاعتبار لهما، فحجّيّة أحدهما إنّما تكون بمعونة أخبار التخيير، و أدلّة التخيير إنّما تدلّ على اختيار أحدهما حجّة، و بعد اختيار أحدهما حجّة يكون المجتهد محرزا للواقع، و لا يبقى مجال لاختيار الآخر بعد ذلك حجّة شرعيّة.
و بما ذكرنا يظهر: أنّه لا مجال لاستصحاب بقاء التخيير بعد اختيار أحدهما، إذ بناء على كون التخيير في المسألة الفقهيّة يكون الحكم بالتخيير باقيا قطعا و بناء على كون التخيير في المسألة الأصوليّة يكون الحكم بالتخيير مرتفعا قطعا.
و لا ينبغي الشكّ في البقاء على كلّ من الوجهين حتّى يجري فيه الاستصحاب.
نعم: يمكن فرض الشكّ في كون التخيير في أيّ المسألتين، بدعوى: عدم استظهار أحد الوجهين من الأخبار، فيشكّ في كون التخيير في المسألة الأصوليّة أو في المسألة الفقهيّة. و لكن إذا فرض الشكّ بهذا الوجه فلا مجال للاستصحاب، للشكّ في موضوعه، فانّه على أحد الوجهين يكون الموضوع باقيا،