فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٥١ - و أما المقام الثاني
هذا حاصل ما أفاده الشيخ- قدّس سرّه- في وجه المنع عن جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعيّة المستكشفة من الأحكام العقليّة.
و لكنّه ضعيف، لما فيه:
أوّلا: المنع عن كون كلّ خصوصيّة اعتبرها العقل في موضوع حكمه لا بدّ و أن يكون لها دخل في مناط حكم العقل، إذ من الممكن أن لا تكون للخصوصيّة دخل في المناط واقعا، و إنّما أخذها العقل في موضوع حكمه لمكان أنّ الموضوع الواجد لها هو المتيقّن في اشتماله على الملاك بنظر العقل، مع أنّ العقل يحتمل أن لا يكون لها دخل في الملاك واقعا، فيكون حكم العقل بحسن الواجد لها أو قبحه من باب الأخذ بالقدر المتيقّن.
و دعوى: أنّ الأحكام العقليّة كلّها مبيّنة مفصّلة ممّا لا شاهد عليها، إذ من المحتمل أن يكون حكم العقل بقبح الكذب الضارّ الغير النافع من جهة أنّ الكذب الواجد لهذه الخصوصيّات هو المتيقّن في قبحه و قيام المفسدة به، مع أنّه يحتمل أن لا يكون لخصوصيّة الضرر أو عدم النّفع دخل فيما هو مناط القبح، بل يكون نفس العقل شاكا في قبح الكذب الغير الضارّ.
و ثانيا: سلّمنا أنّ كلّ خصوصيّة أخذها العقل في موضوع حكمه فلا بدّ و أن يكون لها دخل في المناط بنظر العقل، إلّا أنّ ذلك يمنع عن استصحاب حكم العقل، و ليس المقصود ذلك، لما عرفت: من أنّ استصحاب حكم العقل لا أثر له، بل المقصود استصحاب حكم الشرع، فيمكن أن لا يكون لبعض الخصوصيّات الّتي أخذها العقل في موضوع حكمه دخل في الموضوع عرفا، فلا يضرّ انتفائها ببقاء الموضوع عرفا [١] و المناط في جريان الاستصحاب هو بقاء
______________________________
[١] أقول: بل الأولى أن يقال: ليس كلّ ما هو دخيل في حكمه العقلي دخيلا في مناطه و لو عقلا، و الحكم الشرعي تابع مناطه، و إلّا فلو كان دخيلا في مناطه عقلا فعدمه يوجب القطع بعدم المناط، و مع القطع بعدمه يقطع بعدم الحكم الشرعي التابع له، إلّا إذا فرض احتمال أوسعيّة مناط الحكم