فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٢ - و أما الجهة الثانية
و ما ربما يظهر من بعض: من تسمية ما نحن فيه بالانحلال التعبّدي، فليس
______________________________
و من هذه الجهة نقول: إنّه لا معنى لانحلال العلم الإجمالي في المقام حقيقة، و إنّما كان كذلك في انحلال العلم في باب الأقلّ و الأكثر. فانّه لا مجال لتوهّم بقاء العلم على إجماله، لعدم احتمال كونه غير المعلوم تفصيلا، فلا محيص في مثله بأن كان من قبيل ضمّ مشكوك بمعلوم.
ثمّ لا يخفى أنّ كلّ علم أو طريق إنّما يتنجّز التكليف في ظرف وجوده، لا أنّه بحدوثه يحدث التنجز إلى الأبد و إن زال العلم أو الطريق، و حينئذ سبق العلم التفصيليّ بالتكليف مثلا لا يجدي شيئا في المقام، لأنّ تأثيره السابق في تنجّز معلومه غير مرتبط بتنجّز العلم الإجمالي، و ما هو مضرّ به هو بقاء تأثيره إلى حين العلم الإجمالي، و من هذه الجهة يجري عليه حكم المقارن، كما أنّ المدار في باب الانحلال العلم بالتكليف الفعلي المردد بين كونه عين المعلوم تفصيلا أم غيره و إن لم يعلم بحدوث التكليف من قبل العلم بسببه، إذ المدار ليس على العلم بحدوث التكليف جديدا، بل تمام المدار بالعلم بوجود التكليف حين حدوث السبب، و ذلك بعينه موجود حينه، و حينئذ لا يبقى في البين مجال توهّم ذهاب العلم الإجمالي بوجود العلم التفصيليّ و انقلابه إليه حقيقة، و عليه فلا محيص من الالتزام بمنع العلم بالتفصيلي عن تأثير العلم الإجمالي، لا عن نفسه، كما هو الشأن في الانحلال بالأمارة و الأصل المثبت للتكليف، و لا نعني من الانحلال الحكمي إلّا ذلك، و حيث اتّضح لك ذلك نقول:
إنّ عمدة وجه المنع عن تأثير العلم الإجمالي ليس إلّا جهة منجّزية العلم التفصيليّ الحاصل من حين وجوده حال العلم الإجمالي، و إلّا فتأثيره في الزمان السابق غير مضرّ بالعلم، كما عرفت.
و عليه فنقول أيضا: إنّ من المعلوم أنّ لتكليف واحد لا يتصوّر إلّا تنجّز واحد، و مع قيام العلم التفصيليّ مقارنا للعلم الإجمالي يحتمل اتّحاد التكليف الغير القابل لتأثير العلم، و مع هذا الاحتمال لا يبقى مجال لحكم العقل بمنجّزيّة العلم الإجمالي، إذ معنى منجّزيّة العلم الإجمالي كونه مؤثّرا في المعلوم على الإطلاق، و هذا المعنى غير معقول، فلا يبقى في البين إلّا كون العلم مؤثرا على تقدير، و من المعلوم:
أنّ التكليف على تقدير لا يكون متعلّق العلم، بل هو مشكوك تفصيلا، فما هو معلوم ليس إلّا معنى قابلا للانطباق في كلّ طرف، و هذا المعنى يستحيل تنجّزه من قبل العلم الإجمالي، و ما هو قابل للتنجّز هو التكليف المحتمل في الطرف الآخر، و هو ليس معلوما إجمالا، لعدم قابلية انطباقه على الطرف المعلوم تفصيلا، و من هذه الجهة يسقط العلم عن السببيّة في الاشتغال و جعل المعلوم في عهدة المكلّف، فصار وجوده كالعدم، فلا بأس حينئذ بجريان الأصول النافية في الطرف الآخر، ففي الحقيقة وجه جريان الأصل النافي في المقام من جهة سقوط الأصل عن التأثير، لا من جهة صرف عدم المعارضة، كما توهّم.
و هذا معنى كون الانحلال موجبا للتصرّف في مرتبة الاشتغال، كما أشرنا إلى الفرق بينه و بين جعل