أحكام الأطفال - جمع من المحققين - الصفحة ٣٨٤ - الحذر من الإفراط في محبة الطفل
و قال أيضاً: «و من أعجب برأيه هلك، و إنّ عيسى بن مريم قال: داويت المرضى فشفيتهم بإذن اللَّه، و أبرأت الأكمه و الأبرص بإذن اللَّه ... و عالجت الأحمق فلم أقدر على إصلاحه، فقيل: يا روح اللَّه و ما الأحمق؟ قال: المعجب برأيه و نفسه الذي يرى الفضل كلّه له لا عليه، و يوجب الحقّ كلّه لنفسه و لا يوجب عليها حقّاً، فذاك الأحمق الذي لا حيلة في مداواته» [١].
و كذا الإفراط في المحبّة يوجب استبداد الرأي؛ لأنّ الطفل الذي كان مورداً للعطف و الحنان الشديد، بحيث إنّ جميع أفراد الاسرة يستجيبون لميوله، و يطلقون له العنان في أفعاله و أقواله لشدّة حبّهم له، ينمو فيه الاستبداد بالرأي و يتوقّع من أفراد المجتمع أيضاً أن ينقادوا لأوامره و نواهيه، و لا ريب في عدم إرضاء كلّ ميوله و نزعاته في المجتمع، و ربما كان هذا سبباً لانتحاره.
قال بعض الباحثين في المسائل التربوية: «إنّ الأطفال الذين يواجهون المحبّة و الرأفة الزائدتين، و يستسلم لهم آباؤهم و امّهاتهم بدون أيّ قيدٍ أو شرط، و يستجيبون لجميع مطالبهم من صالحٍ أو طالح، و بالتالي ينشئون على الاستبداد و الإعجاب بالنفس ... فإنّهم يحملون أرواحاً ضعيفة و نفوساً سريعة الانهزام من ساحة المعركة، و يتأثّرون من دور الطفولة حتّى آخر لحظة من العمر من مواجهة أبسط الأشياء و أخفّ المصائب، و ينكسرون أمام مشاكل الحياة بسرعة.
إنّ الأفراد الذين نشئوا في ظلّ الحنان المفرط، هم أتعس الأفراد؛ لأنّهم يعجزون عن حلّ مشاكل الحياة الاعتيادية، فيلجئون في الشدائد إلى الانتحار متصوّرين أنّ النهاية الحتمية لفشلهم يجب أن تبرّر بالانهزام من معركة الحياة» [٢]
[١] نفس المصدر ح ٣٥.
[٢] الطفل بين الوراثة و التربية: ٢/ ١٧٨.