إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٧٥٥ - كلام عبد الله بن الزبير في شهادة الحسين عليه السلام
مشاعل على طريق الأبد .. للمسلمين خاصة، و للبشرية الراشدة كافة، يتعلمون في ضوئها الباهر: أن الحق وحده هو المقدس .. و أن التضحية وحدها هي الشرف .. و أن الولاء المطلق للحق، و التضحية العادلة في سبيله، هما وحدهما اللذان يجعلان للإنسان و للحياة قيمة و معنى ..!!! فهل يأذن حفيد الرسول، و أبو الأبطال، أن أقدم عنه و عن رفاقه الأبرار هذه الصفحات ..!! إني لأجاوز قدري، إذا زعمت أو توهمت أنني قادر على إيفاء تضحياتهم و عظمتهم حقها .. لقد وجدت- لا غير- عبير تلك التضحيات و تلك العظمة؛ فرحت انادي الناس كي يستمتعوا معي بهذا العبير ..!!!
و ليشهدوا- كما لم يشهدوا من قبل- شرف التحضية، و عزمها القدير ..!! و يا أبا عبد اللّه .. سلام على البيت الذي أنجبك .. و على الدين الذي رباك .. و سلام على رفاقك الأبطال الممجدين، و الشهداء الظافرين.
إلى أن قال في ص ٣٠:
ثم بحياة الشهيد الممجد و العظيم أبي عبد اللّه الحسين بن علي و معه عشرات من إخوانه، و أهل بيته و صحبه، في يوم يجعل الولدان شيبا ..!! و هكذا، لم تكن كربلاء ملحمة ذات فصل واحد، بدأ و انتهى يوم العاشر من المحرم .. بل كانت ذات فصول كثيرة. بدأت قبل كربلاء بسنوات طوال .. و استمرت بعد كربلاء دهرا طويلا ..!!!
أجل .. لقد بدأت ملحمة كربلاء و مأساتها، يوم تمت خدعة التحكيم، و حين وقع التمرد الرهيب و الفتنة في صفوف أتباع الامام، ثم حين خلا الجو لراية الأمويين داخل الشام، و خارج الشام ..!! و لكأنما كان الامام علي يرى ببصيرته الثاقبة كل ذلك المصير ..!!
فذات يوم أثناء مسيرة مع جيشه إلى صفين بلغ به السير هذه الرقعة من الأرض، فتمهل في سيره ثم وقف يتملّى مشهد الفضاء الرهيب، و سألت عبراته من مآقيه، و اقترب منه أصحابه صامتين واجمين، لا يدرون ما ذا أسال من مقلتي الأسد الدموع ..!! ثم سألهم و يمناه ممتدة صوب تلك الأرض التي تعلقت بها عيناه: ما اسم هذا المكان؟ قالوا: كربلاء. قال: هنا محطّ رحالهم و مهراق دمائهم ..!!!
و استأنف سيره