إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٨٦٤ - جعل المأمون ولاية العهد إلى الرضا عليه السلام من بعده
اللّه عز و جل يقول لنبيه داود عليه السلام:يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ و قال تعالى:فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ.
و بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوفت أن يسألني اللّه عنها، و أيم اللّه إن المسئول عن خاصة نفسه على عمله فيما بين اللّه و بينه ليعرض أمر كبير على خطر عظيم، فكيف بالمسؤول عن رعاية الامة، و باللّه الثقة، و إليه المفزع و الرغبة في التوفيق و العصمة و التسديد و الهداية إلى ما فيه ثبوت الحجة، و الفوز من اللّه، و الرضوان و الرحمة، و انظر الأئمة لنفسه و أنصحهم للّه في دينه و عباده، و خلافته في أرضه من عمل بطاعته و دينه و سنّة نبيه عليه السلام في مدة أيامه و بعدها، فأجهد رأيه و نظره فيمن يوليه عهده، و يختاره لامارة المسلمين و رعايتهم بعده، و ينصبه علما لهم، و مفزعا في جمع ألفتهم، و لمّ شعثهم، و حقن دمائهم، و الأمن بإذن اللّه من فرقتهم، و فساد ذات بينهم، و اختلافهم، و رفع نزغ الشيطان و كيده عنهم، و إن اللّه عز و جل جعل العهد بعد الخلافة من تمام أمر الإسلام و كماله و عزه و صلاح أهله، و أنهم خلفاؤه من توكيده لمن يختارونه لهم من بعدهم ما عظمت به النعمة، و سلمت فيه العاقبة، و ينقض اللّه بذلك الشقاق و العداوة، و السعي في الفرقة، و التربص للفتنة، و لم يزل أمير المؤمنين مذ أفضت إليه الخلافة، فاختبر بشاعة مذاقها، و ثقل محملها، و شدة مئونتها، و ما يجب على من تقلدها من ارتباط طاعة اللّه و مراقبته فيما حمله فيها و أنصب بدنه، و أسهر عينه، و أطال فكره فيما فيه عز الدين، و قمع المشركين، و صلاح الامة، و نشر العدل، و إقامة الكتاب و السنة، و منع ذلك من الخفض، و الدعة، و مهنأ العيش، علما بما اللّه سائله عنه، و محبته أن يلقى اللّه مناصحا في دينه و عباده، و مختارا لولاية عهده و رعاية الأمة من بعده أفضل ما يقدر عليه في دينه و ورعه، و أرجاهم للقيام بأمر اللّه و حقه، مناجيا للّه بالاستخارة في ذلك، و مسألته إلهامه ما فيه رضاه و طاعته في آناء ليله و نهاره، معملا في طلبه،