إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٣٩ - و منها إرسال رسول الله صلى الله عليه و آله عليا عليه السلام لبئر ذات العلم لأجل الماء و قتاله عليه السلام مع الجن
و يأمن الذم و توبيخ الكلم ثم مضى، حتى إذا كان في ذلك الموضع، سمع و سمعنا من الشجر ذلك الحس، و تلك الحركة؛ فذعرنا ذعرا شديدا حتى ما يستطيع أحدنا أن يكلّم صاحبه. فرجع و رجعنا لا نملك أنفسنا.
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم للرجل: ما حالك؟ فقال: يا رسول اللّه؛ و الذي بعثك بالحق لقد ذعرت ذعرا شديدا ما ذعرت مثله قط. و قلنا ذلك معه.
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: تلك عصابة من الجن هوّلوا عليكم و لو سرت حيث أمرتك لما رأيت إلّا خيرا، و لرأيت فيهم عبرة و لم تر سوءا.
قال: و اشتد العطش بالمسلمين، و كره رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن يهجم بالمسلمين في الشجر و الدغل ليلا.
فدعا علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليه، فأقبل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقال له: سر مع هؤلاء السقاة حتى ترد بئر العلم، فتستقي و تعود إن شاء اللّه. قال سلمة بن الأكوع: فخرج علي أمامنا و نحن في أثره، و القرب في أعناقنا، و سيوفنا بأيدينا؛ و علي يقدمنا، و إنا لنحضر خلفه ما نلحقه و هو يقول [من الرجز]:
أعوذ بالرحمن أن أميلا من عزف جنّ أظهرت تهويلا و أوقدت نيرانها تعويلا و قرعت مع عزفها الطبولا قال: فسار و نحن معه، نسمع تلك الحركة، و ذلك الحس؛ فدخلنا من الرعب مثل الذي كنّا نعرف. و ظننا أن عليا سيرجع كما رجع صاحباه. فالتفت إلينا و قال: اتبعوا أثري، و لا يفزعنكم ما ترون، فليس بضائركم إن شاء اللّه. و مرّ لا يلتفت على أحد حتى دخل بنا الشجر. فإذا نيران تضطرم بغير حطب. و إذا رءوس قد قطعت لها ضجّة و لألسنتها لجلجة شديدة، و أصوات هائلة. فتاللّه لقد أحسست برأسي قد انصرفت قشرته، و وقعت شعرته. و رجف قلبي حتى لا أملك نفسي. و على يتخطى تلك الرءوس، و يقول: اتبعوني و لا خوف عليكم، و لا يلتفت أحد منكم يمينا و لا شمالا.