إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٧٢١ - الاختلاف في مدفن الرأس الشريف
أن يطاف بها في أحياء الكوفة ثم ترسل إلى يزيد. و كانت فعلة يدارونها بالتوقح فيها على سنّة المأخوذ الذي لا يملك مداراة ما فعل. فبات خولي بن يزيد ليلته بالرأس في بيته، و هو يمني نفسه بغنى الدهر كما قال. فأقسمت امرأة له حضرمية: لا يجمع رأسها و رأسه بيت و فيه رأس ابن رسول اللّه. ثم
غدا إلى قصر ابن زياد و كان عنده زيد ابن أرقم من أصحاب رسول اللّه .. فرآه ينكث ثنايا الرأس حين وضع أمامه في اجانة، فصاح به مغضبا: ارفع قضيبك عن هاتين الثنيتين .. فو الذي لا إله إلّا غيره لقد رأيت شفتي رسول اللّه على هاتين الشفتين يقبّلهما .. و بكى .. فهزئ به ابن زياد و قال له:
لو لا أنك شيخ قد خرفت و ذهب عقلك، لضربت عنقك! فخرج زيد و هو ينادي في الناس غير حافل بشيء: أنتم معشر العرب العبيد بعد اليوم .. قتلتم ابن فاطمة و آثرتم ابن مرجانة، فهو يقتل شراركم و يستعبد خياركم.
و ادخلت السيدة زينب بنت علي رضي اللّه عنها، و عليها أرذل ثيابها و معها عيال الحسين و اماؤها .. فجلست ناحية لا تتكلم و لا تنظر إلى ما أمامها. فسأل ابن زياد: من هذه التي انحازت ناحية و معها نساؤها؟ فلم تجبه .. فأعاد سؤاله ثلاثا و هي لا تجيبه، ثم أجابت عنها إحدى الإماء:
هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فاجترأ ابن زياد قائلا:
الحمد للّه الذي فضحكم و قتلكم و أبطل أحدوثتكم .. و قد كانت زينب رضي اللّه عنها حقا جديرة بنسبها الشريف في تلك الرحلة الفاجعة التي تهد عزائم الرجال .. كانت كأشجع و أرفع ما تكون حفيدة محمد و بنت علي و اخت الحسين. و كتب لها أن تحفظ بشجاعتها و تضحيتها بقية العقب الحسيني من الذكور .. و لولاها لانقرض من يوم كربلاء .. فلم تمهل ابن زياد أن ثارت به قائلة: الحمد للّه الذي أكرمنا بنبيه و طهرتا من الرجس تطهيرا .. إنما يفضح الفاسق و يكذب الفاجر، و هو غيرنا و الحمد للّه. فقال ابن زياد: قد شفى اللّه نفسي من طاغيتك و العصاة. فغلبها الحزن و الغيظ من هذا التشفي الذي لا ناصر لها منه، و قالت: لقد قتلت كهلي، و أبديت أهلي، و قطعت فرعي و اجتثثت أصلي، فان يشفك هذا فقد اشتفيت .. فتهاتف ابن زياد ساخرا