إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٦٤٩ - سبب استشهاده عليه السلام
يحملان إليه خمسين كتابا أخرى فلما أمسى ذلك اليوم ورد عليه سعيد بن عبد اللّه الثقفي و معه كتاب من رؤساء أهل الكوفة، و هكذا تتابعت الكتب على الحسين حتى ملأ بها خرجين له. فرد الحسين على أهل الكوفة جميعا بكتاب واحد دفعه إلى رسولين من أهل الكوفة يخبرهم فيه بأنه سيرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل ليتحقق بنفسه من حقيقة مشاعرهم قبل أن يقدم هو (أي الحسين) عليهم.
و وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة في ٥ شوال سنة ٦٠ ه، و بايعه من أهلها ثمانية عشرة ألف رجل سرا للحسين. و علم النعمان بن بشير الأنصاري والي الكوفة بوصوله، و كان رجلا مسالما، فوقف سلبيا من مسلم، و أعلن عن موقفه بقوله: لا أقاتل إلّا من قاتلني، و لا أثب إلّا على من وثب عليّ، و لا آخذ بالقرفة و الظنة، فمن أبدى صفحته و نكث بيعته ضربته بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، و لو لم أكن إلّا وحدي.
و لكن بعد أنصار الأمويين في الكوفة و على رأسهم عبد اللّه بن مسلم بن سعيد الحضرمي، و عمارة بن عقبة كتبوا إلى يزيد بن معاوية يخبرونه بما قدم مسلم بن عقيل إلى الكوفة من أجله، و ما كان من تخاذل النعمان بن بشير نحو مسلم. فكتب يزيد إلى عبيد اللّه بن زياد عامله على البصرة بعهده إليه في ولاية البصرة و الكوفة معا، و يأمره بعزل النعمان و القضاء على مسلم. فلما علم مسلم بقدوم عبيد اللّه، خاف على نفسه، فلاذ بدار هانئ بن عروة المرادي في قول و هانئ بن ورقة المذحجي في قول آخر، و كان هانئ هذا من أشراف الكوفة، و طلب منه أن يضيفه و يجيره، فأجاره هانئ على غير رغبته، و أدخله دار نسائه، و جعل الشيعة يختلفون إليه في دار هانئ فكان مسلم يبايع من أتاه منهم و يأخذ عليهم العهود و المواثيق المؤكدة بالوفاء. و في أثناء مقامه تهيأت له فرصة قتل عبيد اللّه بن زياد الذي قدم لزيارة شريك بن الأعور في منزل هانئ، و كان شريك قد مرض مرضا شديدا، و لكنه لم يغتنم هذه الفرصة و يثب عليه لأمرين: الأول كراهية هانئ لقتله في داره، و الثاني كراهيته للغدر.
و علم ابن زياد عن طريق جواسيسه أن مسلم بن عقيل يقيم بدار هانئ، فاستقدمه