إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٧٥٤ - كلام عبد الله بن الزبير في شهادة الحسين عليه السلام
فيه قداسة الحق. و شرف التضحية على نحو متميز و فريد ..!! و صحيح أن تاريخ الإسلام مترع بالمشاهد الزاخرة بقداسة الحق و شرف التضحية، أيام الرسول صلى اللّه عليه و سلم، و فيماتلا عصره الرائد العظيم من عهود و عصور .. بيد أن يوم كربلاء، تبقى له سمته المجيدة، و ميزته الفريدة. فالقضية الجليلة التي دار من أجلها الصراع ..
و القلة الصامدة الماجدة، التي وهبت حياتها لتلك القضية .. و الطريقة التي دار بها القتال بين أربعة آلاف فارس من جيش ابن زياد، و اثنين و سبعين لا غير .. هم أنصار الامام الحسين .. و الأحداث المروعة، التي سبقت ذلك اليوم .. و الحصاد الأليم، و العظيم الذي خلفه، بعد أن مالت شمسه للغروب .. كل ذلك يجعل من يوم كربلاء يوما فريدا في تاريخ الآلام و البطولات .. في تاريخ التضحية و المجد .. في تاريخ المأساة و العظمة .. و في تاريخ الحق الذي شهد في ذلك اليوم و رغم هزيمة أبطاله سيادة و انتصارا قرّت بهما عيناه ..!!
إن أعظم ما صنع الحسين و أهله و صحبه في ذلك اليوم هو أنهم جعلوا الحق قيمة ذاته، و مثوبة نفسه؛ فلم يعد النصر مزية له .. و لم تعد الهزيمة إزراء به ..!!! لقد وقف اثنان و سبعون بطلا، وراء قائدهم العظيم أبي عبد اللّه الحسين: ليس لهم في إحراز النصر على عدوهم أدنى أمل .. و ليس أمامهم سوى القتل بأسلحة خصم فاجر، متوحش، مسعور .. و أمامهم فرص النجاة، إذا هم أرادوها .. لكنهم رفضوا النجاة؛ ما دامت ستكون غمطا لقداسة الحق، و ثلما لشرف التضحية ..!! و هكذا راحوا يقاتلون حول قائدهم الممجد، معانقين المنايا، واحدا بعد واحد .. و هم يصيحون، بل يغنون: اللّه، و الجنة .. اللّه، و الجنة ..!! من أجل ذلك، يرفض هذا الكتاب الوقوف عند اعتبار كربلاء مأساة و فاجعة، و مناسبة للبكاء و العويل .. و يمد بصره نحو مضمونها الصحيح، و جوهرها النضير، فيراها مهرجانا للحق وعيدا للتضحية، ليس لهما نظير ..!! إنه يوم لم يعرف المسلمون بعد، حقه عليهم، و لا واجبهم تلقاءه.
و إن الأقدار لم تدع رءوس أبناء الرسول تحمل على أسنة رماح قاتليهم؛ إلّا لتكون