العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٧٨ - سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك المدلجى الكنانى، يكنى أبا سفيان
- نخشى أن يفتن نساءنا و أبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبى بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه فى داره و لا يستعلن بصلاته و لا يقرأ فى غير داره ثم بدا لأبى بكر فابتنى مسجدا بفناء داره و كان يصلى فيه و يقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين و أبناؤهم و هم يعجبون منه و ينظرون إليه و كان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن و أفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه فى داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة و القراءة فيه و إنا قد خشينا أن يفتن نساءنا و أبناءنا فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه فى داره فعل و إن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك و لسنا مقرين لأبى بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال: قد علمت الذى عاقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك و إما أن ترجع إلى ذمتى فإنى لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت فى رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإنى أرد إليك جوارك و أرضى بجوار اللّه عز و جل و النبى (صلى اللّه عليه و سلم) يومئذ بمكة. فقال النبى (صلى اللّه عليه و سلم) للمسلمين: إنى أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين و هما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة و رجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة و تجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): على رسلك فإنى أرجو أن يؤذن لى. فقال أبو بكر: و هل ترجو ذلك بأبى أنت؟ قال: نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليصحبه و علف راحلتين كانتا عنده ورق السمر و هو الخبط أربعة أشهر. قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة:
فبينما نحن يوما جلوس فى بيت أبى بكر فى نحر الظهيرة قال قائل لأبى بكر: هذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) متقنعا فى ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء له أبى و أمى و اللّه ما جاء به فى هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبى (صلى اللّه عليه و سلم) لأبى بكر: أخرج من عندك فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبى أنت يا رسول اللّه قال:
فإنى قد أذن لى فى الخروج فقال أبو بكر: الصحبة بأبى أنت يا رسول اللّه قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): نعم قال أبو بكر: فخذ بأبى أنت يا رسول اللّه إحدى راحلتى هاتين قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): بالثمن. قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز و صنعنا لهما سفرة فى جراب فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين قالت: ثم لحق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر بغار فى جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد اللّه بن أبى بكر و هو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام و يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان فى رسل و هو لبن منحتهما و رضيفهما حتى ينعق بها عامر ابن فهيرة بغلس يفعل ذلك فى كل ليلة من تلك الليالى الثلاث و استأجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر رجلا من بنى الديل و هو من بنى عبد بن عدى هاديا خريتا، و الخريت الماهر-