العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٧١ - داود بن موسى الغمارىّ الفاسى المالكى
قال لداود: تسلم مالك و ولايتك إلى عدوك؟ فقال داود: أى مال لى؟، و اللّه لقد أقمت معكم حتى شخت، فما وليت ولاية حتى كبرت و فنى عمرى، فولّونى من الحجاز ما فيه الفوت. و إنما هذا الملك لك و لأشباهك، فقاتل عليه أو دع، ثم انحاز داود إلى جهة المشاش بأثقاله، و توجه منها على درب العراق، و افتعل كتابا من المأمون، بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة الموسم، و قال له: أخرج فصل بالناس بمنى، الظهر و العصر و المغرب و العشاء، و بت بمنى وصل الصبح، ثم اركب دوابك فانزل طريق عرفة، و خذ على يسارك فى شعب عمرو، حتى تأخذ طريق المشاش، حتى تلحقنى ببستان ابن عامر؛ ففعل ذلك فخاف مسرور، فخرج فى إثر داود راجعا إلى العراق، و بقى الوفد بعرفة، فلما زالت الشمس، حضرت الصلاة، فتدافعها قوم من أهل مكة. فقال أحمد بن الوليد الأزرقى- و هو المؤذن: إذا لم يحضر الولاة يا أهل مكة، فليصل قاضى مكة محمد ابن عبد الرحمن المخزومى، و ليخطب بهم، فقال: فلمن أدعو؟. و قد هرب هؤلاء، و أظل هؤلاء على الدخول. قال: لا تدع لأحد. قال: بل تقدم أنت، فأبى الأزرقى، حتى قدموا رجلا صلى الصلاتين بلا خطبة، ثم مضوا فوقفوا بعرفة، ثم دفعوا بلا إمام، و حسين بن علىّ- يعنى الأفطس- متوقف بسرف [٣]. فلما بلغه خلوّ مكة، و هرب داود، دخلها قبل المغرب فى نحو عشرة. انتهى.
و ذكر ابن الأثير أيضا ما ذكره الذهبى، من توقف الحسين الأفطس بسرف تخوفا، و أن دخوله إليها فى عشرة أنفس، لما خرج إليهم قوم أخبروهم أن مكة قد خلت من بنى العباس. و قد ذكرنا فى ترجمة حسين الأفطس، ما فعله هو و أصحابه من القبائح بمكة، فأغنى ذلك عن إعادته.
[١١٦٣]- داود بن موسى الغمارىّ الفاسى المالكى:
نزيل الحرمين، عنى فى شبابه بفنون من العلم، و تنبه فى ذلك، و صار على ذهنه فوائد و نكت حسنة يذاكر بها، ثم أقبل على التصوف و العبادة وجد فيها كثيرا، و سكن الحرمين مدة سنين، نحو عشرين سنة، و إقامته بالمدينة أكثر من مكة بيسير.
و كانت وفاته بالمدينة، فى يوم الخميس مستهل المحرم سنة عشرين و ثمانمائة، على
[٣] سرف: قال الحميرى: أظنه بكسر الراء، قال البكرى: هو بإسكان الثانى، ماء على ستة أميال من مكة. انظر: الروض المعطار ٣١٢، معجم ما استعجم ٣/ ٧٣٥، رحلة الناصرى ٢٣٣.
[١١٦٣]- انظر ترجمته فى: (التحفة اللطيفة ٢/ ٣٩، الضوء اللامع ٣/ ٢١٦).