العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٦٨ - ١١٦١- داود بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر، المعروف بابن أبى هاشم، الحسنى المكى
داود هذا، ولى إمرة مكة بعد أبيه بعهد منه، فى أوائل شعبان سنة سبعين و خمسمائة، فأحسن السيرة و عدل فى الرعية.
فلما كانت ليلة منتصف رجب من سنة إحدى و سبعين، أخرجه منها ليلا أخوه مكثر، و لحق داود بوادى نخلة، ثم عاد إلى مكة، و اصطلح مع أخيه فى نصف شعبان من هذه السنة، و كان الذى أصلح بينهم، شمس الدولة أخو السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب، لما قدم من اليمن، متوجها إلى الشام. فلما انقضى- الحج من هذه السنة، سلمت مكة إلى داود هذا، بعد أن أخرج منها أخوه مكثّر، لما وقع بينه و بين طاشتكين أمير الحاج العراقى من محاربة، و أسقط داود جميع المكوس بها، و رحل الحاج بعد أن أخذوا العهود و المواثيق على داود، أن لا يغير شيئا مما شرط عليه من إسقاط المكوس و غير ذلك من الأرفاق. و كانت مكة سلمت قبله للأمير قاسم بن مهنا الحسينى أمير المدينة؛ لأنه كان قد ورد مع طاشتكين، و أقامت معه ثلاثة أيام، قبل أن تسلم لداود.
و سبب تسليم مكة لداود، عجز قاسم بن مهنا عن إمرة مكة؛ لأن ابن الجوزى قال فى المنتظم، فى أخبار سنة إحدى و سبعين و خمسمائة: «فيها عقدت الولاية لأمير المدينة على مكة، فخرج على خوف شديد من قتال صاحب مكة مكثّر بن عيسى، ثم قال بعد أن ذكر شيئا من خبر الفتنة التى كانت بمكة فى هذه السنة: ثم إن أمير مكة المشرفة، الذى كان ولاه الخليفة المستضىء بأمر اللّه، قال لأمير الحاج و للحجاج: إنى لا أتجاسر أن أقيم بمكة بعد خروج الحاج، فأمروا غيره و رحلوا. انتهى.
و لم تطل ولاية داود بن عيسى لمكة؛ لأنى وجدت ما يقتضى أن أخاه مكثّرا، كان أميرا بمكة فى سنة اثنتين و سبعين و خمسمائة، كما سيأتى فى ترجمة مكثّر، ثم عاد داود إلى إمرة مكة، و ما عرفت متى كان عوده إليها؛ إلا أنه كان واليا بها فى سنة سبع و ثمانين و خمسمائة، و فيها عزل عنها؛ لأن الذهبى قال فى تاريخ الإسلام: فيها أخذ داود أمير مكة ما فى الكعبة من الأموال، و طوقا كان يمسك الحجر الأسود لتشعثه، إذ ضربه ذاك الباطنى بعد الأربعمائة بالدبوس.
فلما قدم الركب، عزل أمير الحاج داود، و ولى أخاه مكثّرا، و أقام داود بنخلة، إلى أن توفى فى رجب سنة تسع و خمسين و ثمانين، و هو و آباؤه الخمسة أمراء مكة. انتهى.
و الذين ولوا مكة من آبائه أربعة: أبوه عيسى، وجده فليتة، وجد عيسى قاسم، وجد فليتة محمد بن جعفر. فلا يستقيم قول الذهبى إنهم خمسة [١]. و اللّه أعلم.
[١] على هامش إحدى النسخ بخط السيد محمد مرتضى الزبيرى شارح القاموس: