العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٩٧ - سعيد بن جبير بن هشام الأسدى، أسد خزيمة، مولاهم، أبو محمد، و يقال أبو عبد اللّه الكوفى
و ذكره ابن عبد البر فى فقهاء مكة، من أصحاب ابن عباس و قال: كان فقيها خيرا نبيلا فاضلا، إلا أنه سكن الكوفة، و هو معدود فى الكوفيين. انتهى.
و روى عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لقد مات سعيد بن جبير، و ما على وجه الأرض أحد إلا و هو محتاج إلى علمه. انتهى.
و قد أثنى عليه ابن عباس بالعلم؛ لأنه روى عن جعفر بن أبى المغيرة: كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه، يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟ يعنى سعيد بن جبير.
و كان مع ما رزقه من وفور العلم، وافر الحظ فى العبادة.
روى عن هلال بن يساف، قال: دخل سعيد الكعبة، فقرأ القرآن فى ركعة. و روى الحسن بن صالح عن وفا، قال: كان سعيد بن جبير، يختم القرآن فيما بين المغرب و العشاء، فى شهر رمضان. زاد غيره: و كانوا يؤخرون العشاء. و روى عبد الملك بن أبى سليمان، عن سعيد بن جبير، أنه كان يختم القرآن فى كل ليلتين، و رويت له كرامات.
منها: أنه قال لديك له: قطع اللّه صوتك، فما سمع له صوت. و إنما قال له ذلك؛ لأنه كان يقوم من الليل بصياح الديك، فلم يصح فى بعض الليالى حتى أصبح. فلم يصل سعيد تلك الليلة، فشق عليه، فقال ما سبق.
و منها: أن رسل الحجاج لما أخذوه، أتوا به دير راهب، دلّهم على سعيد؛ لأن الليل أدركهم، فسألوه أن يصعد معهم فأبى، فتركوه بعد أن التزم لهم أن لا يهرب. و كان يأوى إلى الدير فى الليل، لبؤة و أسد، و لأجلهما نام فى الدير رسل الحجاج. فلما دنت اللّبؤة من سعيد، تحككت به و تمسحت به، ثم ربضت قريبا منه. و أقبل الأسد فصنع مثل ذلك.
و منها: أن الحجاج حين أمر بذبح سعيد، قال سعيد: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدى، فلم يقتل بعده إلا واحدا، على ما قال سفيان بن عيينة.
و منها: أنه لما بان رأسه قال: لا إله إلا اللّه، لا إله إلا اللّه، ثم قالها الثالثة فلم يتمها.
و منها على ما قيل: إن الحجاج عاش بعده خمس عشرة ليلة، و وقعت الأكلة فى بطنه، فدعا بالطبيب لينظر إليه، فنظر إليه، ثم دعا بلحم منتن فعلقه فى خيط، ثم أرسله فى حلقة، فتركه ساعة ثم استخرجه، و قد لزق به من الدم، فعلم أنه ليس بناج. و يقال إنه كان ينادى بقية حياته: ما لى و لسعيد بن جبير، كلما أردت النوم أخذ برجلى.