العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٤١٥ - عبد اللّه بن محمد بن علىّ بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب الهاشمى، أبو جعفر المنصور العباسى، ثانى خلفاء بنى العباس
و قد علمت أنه لم يبق أحد من بعد النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، من بنى عبد المطلب، غير العباس وحده، وارثه مرتين، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بنى هاشم، فلم ينله إلا ولده، فالسقاية سقايتنا، و ميراث النبى (صلى اللّه عليه و سلم) ميراثنا، و الخلافة فى أيدينا، فلم يبق فضل و لا شرف فى الجاهلية و الإسلام، إلا و العباس وارثه و مورثه و السلام. انتهى.
و فى سنة خمس و أربعين و مائة، خرج على المنصور أيضا، إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن، أخو محمد بن عبد اللّه بن الحسن المقدم ذكره بالبصرة. و كان قدمها فى عشرة أنفس، و اختفى بها، و اتفق له فى اختفائه أمور يتعجب منها، و حاصل الأمر، أنه بايعه نحو أربعة آلاف.
فلما بلغ المنصور خروجه، اشتد قلقه لكثرة خوفه و وجله، فنزل بالكوفة ليأمن غائلة الشيعة بها، و ألزم الناس حينئذ بلبس السواد حتى العوام، و جعل يسجن و يقتل كل من اتهمه، و الشيعة يعلون بها، و يبايعون سرّا لإبراهيم، حتى اتسع الخرق، و عظم الخطب، و خرج إبراهيم و الخلائق مقبلة إليه، فتحصن منه نائب البصرة، ثم نزل إليه نائب البصرة بأمان، و أنفق إبراهيم فى عسكره ما وجده فى الخزانة، و كان ستمائة ألف، و بعث سراياه إلى الأهواز [٣] و فارس و واسط [٤] و بعث المنصور لحربه عامرا المكى فى خمسة آلاف فارس، فالتقوا أياما. فقتل من جموع إبراهيم خلق كثير، ثم التقى عسكره مع عسكر عيسى بن موسى بعد رجوعه من المدينة مظفرا، و المنصور فى ذلك كله لا يقر و لا ينام، لما حصل فى نفسه من الخور، و إلا حوله بالكوفة مائة ألف سيف كامنة مضمرة للشر، و لو لا سعادته لزال ملكه، و لو هجم إبراهيم الكوفة لاستولى على الأمر، و ظفر بالمنصور، و لكنه ترك ذلك تدينا. و قال: أخشى إن هجمنا الكوفة أن يستباح الصغار و النساء. و كان جنده يختلفون عليه، و كل واحد يشير برأى، إلى أن التقى
[٣] الأهواز: آخره زاى و هى جمع هوز و أصله حوز فلما كثر استعمال الفرس لهذه اللفظة غيرتها حتى أذهبت أصلها جملة. و كان اسمها فى أيام الفرس خوزستان و فى خوزستان مواضع يقال لكل واحد منها خوز كذا منها خوز بنى أسد و غيرها فالأهواز اسم للكورة بأسرها، و أما البلد الذى يغلب عليه هذا الاسم عند العامة اليوم فإنما هو سوق الأهواز.
انظر: معجم البلدان (الأهواز).
[٤] واسط: مدينتان على جانبى دجلة، و المدينة القديمة فى الجانب الشرقى، و ابتنى الحجاج مدينة فى الجانب الغربى، و جعل بينهما جسرا بالسفين. انظر: الروض المعطار ٥٩٩، اليعقوبى ٣٢٢، معجم ما استعجم ٤/ ١٣٦٣، نزهة المشتاق ١٢٠، الكرخى ٥٨، ابن حوقل ٢١٤.