العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٤٦ - عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب القرشى الأسدى، أبو بكر، و أبو خبيب المدنى المكى
كنت أظن لك رأيا، و أنا أكلمك سرّا و تكلمنى جهرا، و أدعوك إلى الخلافة، و تعدنى القتل و الهلكة. ثم فارقه و رحل هو و أصحابه نحو المدينة، و ندم ابن الزبير على ما صنع، فأرسل إليه: أما المسير إلى الشام فلا أفعله، و لكن بايعوا لى هناك فأنى مؤمنكم و عادل فيكم، فقال الحصين: إن لم تقدم بنفسك فلا يتأتى الأمر، فإن هناك ناسا من بنى أمية يطلبون هذا الأمر.
و كان رحيل الحصين عن مكة لخمس ليال خلون من ربيع الآخر، وصفا الأمر بمكة لابن الزبير، و بويع له بالخلافة فيها، و بالمدينة و بالحجاز و اليمن و البصرة و الكوفة و خراسان و مصر و أكثر بلاد الشام.
و كان مروان بن الحكم أراد أن يبايع له و أن يعضده، و كان قد انحاز هو و أهله إلى أرض حوران، فوافاهم عبيد اللّه بن زياد بن أبيه منهزما من الكوفة، فلوى عزمه عن ذلك، و قواه على طلب الخلافة، و التقوا مع الضحاك ابن قيس الفهرى، و قد دعا إلى نفسه بالشام، بعد أن دعا لابن الزبير بمرج راهط شرقى الغوطة بدمشق، فى آخر سنة أربع و ستين من الهجرة؛ و قتل الضحاك، و استولى مروان على الشام، و سار إلى مصر فملكها و مهد قواعدها فى سنة خمس و ستين، ثم عاد إلى دمشق، و مات فى رمضان من سنة خمس و ستين، و قد عهد بالأمر لابنه عبد الملك، و صار الخليفة بالشام و مصر، و ابن الزبير الخليفة بالحجاز، ثم سار عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بن الزبير، أخى عبد اللّه، فالتقى الجمعان بدير الجاثليق فى سنة اثنتين و سبعين من الهجرة، فخان مصعبا بعض جيشه، لأن عبد الملك كتب إليهم يعدهم و يمنيهم، حتى أفسدهم على مصعب، فقتل و قتل معه أولاده: عيسى و عروة و إبراهيم، و استولى عبد الملك على بلاد العراق و ما يليها، و جهز الحجاج بن يوسف الثقفى إلى مكة لقتال عبد اللّه بن الزبير، و بعث معه أمانا لابن الزبير و من معه إن أطاعوا، فسار الحجاج فى جمادى الأولى من هذه السنة و نزل الطائف، و كان يبعث الخيل إلى عرفة، و يبعث ابن الزبير خيلا أيضا يقتتلون بعرفة، فتنهزم خيل ابن الزبير و تعود خيل الحجاج بالظفر، ثم كتب إلى عبد الملك يستأذنه فى دخول الحرم و حصر ابن الزبير، و يخبره بضعفه و تفرق أصحابه، و يستمده.
و كتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو، مولى عثمان، يأمر باللحاق بالحجاج، و كان عبد الملك قد أمر طارقا بالنزول بين أيلة و وادى القرى، يمنع عمال ابن الزبير من الانتشار، و يسد خللا إن ظهر له، فقدم طارق المدينة فى ذى الحجة، فى خمسة آلاف، و كان الحجاج قد قدم مكة فى ذى القعدة، و قد أحرم بحجة، فنزل بئر ميمون، و حج بالناس تلك السنة، إلا أنه لم يطف بالكعبة، و لا سعى بين الصفا و المروة، لمنع ابن الزبير له من ذلك، و لم يحج هو و لا أصحابه.