العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٧٤ - سديف بن ميمون المكى الشاعر
الهدى، و منار سبل التقى، كم قصم اللّه به من منافق طاغ، و فاسق باغ و أرباع أملاع، فهم السادة القادة الذادة، بنو عم الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و منزل جبريل بالتنزيل، لم يسمع بمثل العباس، لم تخضع له الأمة إلا لواجب حق الحرمة، أبو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أبيه، و إحدى يديه، و جلدة ما بين عينيه، و الموثق له يوم العقبة، و أمينه يوم القيامة، و رسوله يوم مكة، و حاميه يوم حنين عند ملتقى الفئتين، و الشافع يوم نيق العقاب، إذ سار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل الأحزاب. أقول قولى هذا و أستغفر اللّه لى و لكم.
و يقال إن سديف بن ميمون، كان فى حبس بنى أمية، و ذلك أنه كان يتكلم فى بنى أمية و يطلق فيهم لسانه و يهجوهم. و كان له فى الحساب فيما يزعمون نظر، و فى الأدب حظ وافر. و كان يجلس مع لمة له من أهل مكة و أهل الطائف، يسمرون فى المسجد الحرام إلى نصف الليل و نحوه، فيتحدثون و يخبرهم بدولة بنى هاشم إنها قريبة، فبلغ ذلك من قوله، الوليد بن عروة، و هو على مكة واليا لمروان بن محمد، و سمعت بعض أهل الطائف يقول: فاتخذ عليه الأرصاد مع أصحابه حتى أخذوه، فأخذه فحبسه، ثم جعل يجلده كل سبت مائة سوط، كلما مضى سبت، أخرجه يضربه مائة سوط، حتى ضربه أسبتا، فلما آل الأمر لبنى هاشم، و بويع لأبى العباس السفاح بالخلافة، بعث داود ابن على بن عبد اللّه بن عباس، فقدم مكة يوم الأربعاء سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، فلما سمع الوليد بن عروة السعدى بداود بن علىّ، أنه يريد مكة، أيقن بالهلاك، فخرج هاربا إلى اليمن، و قدم داود بن علىّ مكة، فاستخرج سديفا من الحبس، و خلع عليه و أخلده، فعند ذلك يقول سديف قصيدته التى يمدح بها بنى العباس [٥] [من الخفيف]:
أصبح الدين [٦] ثابت الأساس* * * بالبهاليل من بنى العباس
ثم وضع داود بن علىّ المنبر، فخطب فأرتج عليه، فقام إليه سديف، فخطب بين يديه الخطبة التى ذكرناها.
و ذكر الفاكهى أن سديفا مكى، و ذكر له شعرا يدل على أنه قطن بمكة؛ لأنه قال:
و كان بعض المكيين يجلس عند هذين الحوضين الشرقى منهما، قال سديف بن ميمون يصف جلوسه عندهما [من الطويل]:
كأنى لم أقطن بمكة ساعة* * * و لم يلهنى فيها ربيب منعم
و لم أجلس الحوضين شرقى زمزم* * * و هيهات أينا منك لا أين زمزم
[٥] انظر القصيدة فى الأغانى ٤/ ٣٣٩.
[٦] فى الأغانى:
أصبح الملك ثابت الأساس