العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٧٣ - سديف بن ميمون المكى الشاعر
أسرفت فى قتل الرعية ظالما* * * فاكفف يديك إخالها مهديّها
و كانت وصلت إليه مبهمة، و لم يسم قائلها، فبحث عنه، حتى أخبر أنها لسديف، فأمر بدفنه حيّا، ففعل به ذلك عبد الصمد بن علىّ، عم المنصور و نائبه على مكة.
و كان سديف فى سجنه، و كان قتله فى سنة سبع أو ثمان أو تسع و أربعين و مائة، فإن عبد الصمد كان واليا [على مكة فى هذه] [٣] المدة، و ما ذكرناه فى سبب قتله و كيفية قتله، ذكره صاحب العقد، و ما ذكرناه فى ميله إلى بنى العباس، و تقريبه لدولتهم، و ضربه و سجنه و إطلاقه، و خطبته و مدحه لبنى العباس، ذكره الفاكهى، فنذكر ذلك ثم نتبعه بما ذكره صاحب العقد، ثم بما ذكره صاحب الأغانى من خبره، و ما علمناه من ذلك.
قال الفاكهى: «ذكر خطبة سديف بن ميمون، بين يدى داود بن على، و ما لقى قبل خروج بنى هاشم و دولتهم» [٤].
حدثنا عبد اللّه بن أبى مسرة قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن حشيبر اللّهبىّ، عن ابن داب، قال: لما قدم داود بن على بن عبد اللّه بن عباس مكة، أخرج سديف بن ميمون من الحبس و خلع عليه، ثم وضع المنبر، فخطب فأرتج عليه، فقام سديف بن ميمون فقال: أما بعد، فإن اللّه عز و جل، بعث محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، فاختاره من قريش، نفسه من أنفسهم، و بيته من بيوتهم، فكان فيما أنزل عليه فى كتابه الذى حفظه، و أشهد ملائكته على حقه: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: ٣٣]. و جعل الحق من بعد محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، إلى أهل بيته، فقاتلوا على سنته و ملته، بعد غض من الزمان، و تتابع الشيطان، بين ظهرانى أقوام، إن رتق حق فتقوه، و إن فتق جور رتقوه، آثروا العاجل على الآجل، و الفانى على الباقى، أهل خمور و ماجور و طنابير و مزامير، إن ذكروا اللّه لم يذكروا، و إن قوموا لحقّ أدبروا، بهذا قام زمانهم، و به كان يعمر سلطانهم، عم الضلال فأحبطت أعمالهم، إن غر آل محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، أولى بالخلافة منهم، فبم و لم أيها الناس؟، ألكم الفضل بالصحابة، دون ذوى القربى، الشركاء فى النسب، و الورثة للسلب، مع ضربهم على الدين جاهلكم، و إطعامهم فى اللأواء جائعكم، و أمنهم فى الخوف سائلكم، و اللّه ما اخترتم من حيث اختار اللّه لنفسه، ما زلتم تولون تيميّا مرة، و عدويّا مرة، و أسديّا مرة، و أمويّا مرة، حتى جاءكم من لا يعرف اسمه و لا نسبه، فضربكم بالسيف، فأعطيتموها عنوة، و أنتم كارهون آل محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، أئمة
[٣] ما بين المعقوفتين بياض فى الأصل، و ما أوردناه من الشعر و الشعراء.
[٤] الخطبة فى العقد الفريد ٤/ ٤٨٥.