العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٧٥ - سديف بن ميمون المكى الشاعر
يحن فؤادى إن سهيل بدا له* * * و أقسم أن الشوق منى لمنهم
و ذكر صاحب العقد شيئا من خبر سديف، لأنه قال: الرياشى عن الأصمعى قال: لما خرج محمد بن عبد اللّه بن الحسن بالمدينة، فبايعه أهل المدينة و أهل مكة، و خرج إبراهيم أخوه بالبصرة، فتغلب على البصرة و الأهواز و واسط، قال سديف بن ميمون فى ذلك [من البسيط]:
إن الحمامة يوم الشعب من حسن* * * هاجت فؤاد محب دائم الحزن
إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا* * * بعد التباعد و الشحناء و الإحن
و تنقضى دولة أحكام قادتنا* * * فيها كأحكام قوم عابدى وثن
فانهض ببيعتكم ننهض بطاعتنا* * * إن الخلافة فيكم يا بنى حسن
لا عد ركنا يزيد عند نائبة* * * إن أسلموك و لا ركنا ذوى يمن
ألست أكرمهم قوما إذا نسبوا* * * عودا و أنقاهم ثوبا من الدرن
و أعظم الناس عند الناس منزلة* * * و أبعد الناس من عجز و من أفن
فلما سمع أبو جعفر هذه الأبيات، استطير لها، فكتب إلى عبد الصمد بن علىّ، بأن يأخذ سديفا فيدفنه حيّا، ففعل. قال أبو الفضل الرياشى: فذكرت هذه الأبيات لأبى جعفر، شيخ من أهل بغداد، فقال: هذا باطل، الأبيات لعبد اللّه بن مصعب، و إنما كان سبب قتل سديف، أنه كتب أبياتا مبهمة، فكتب بها أبى جعفر، و هى:
أسرفت فى قتل الرعية ظالما* * * فاكفف يديك إخالها مهديها
فلتأتينك راية حسنية* * * جرارة يقتادها حسنيها
فقال أبو جعفر لخازم بن خزيمة: تهيأ للسفر مبكرا، حتى إذا لم يبق إلا أن تضع رجلك فى الغرز، ائتنى، ففعل. فقال: انطلق إلى المدينة، فادخل مسجد النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، فدع سارية و ثانية، فإنك تنظر عند الثالثة، إلى شيخ آدم اللون طوال، يكثر التعتب، فأجلس إليه، فتوجع لآل أبى طالب، و اذكر شدة الزمان عليهم ثلاثة أيام، ثم قل له فى اليوم الرابع: من يقول هذه الأبيات:
أسرفت فى قتل الرعية ظالما
قال: ففعل، فقال له الشيخ: إن شئت أنبأتك من أنت. أنت خازم بن خزيمة، بعثك إلىّ أمير المؤمنين لتعرف من قال هذا الشعر، فقل له: جعلت فداك، و اللّه ما قلته، و ما قاله إلا سديف بن ميمون، و إنى أنا القائل، و قد دعونى للخروج مع محمد بن عبد اللّه ابن الحسن [من الطويل]:
دعونى و قد شالت لإبليس راية* * * و أوقد للغاوين نار الحباحب