العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٤١٣ - عبد اللّه بن محمد بن علىّ بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب الهاشمى، أبو جعفر المنصور العباسى، ثانى خلفاء بنى العباس
و فضله، يختار لى فى الأمهات و الآباء فى الجاهلية و الإسلام، حتى اختار لى فى النار.
فآبائى أرفع الناس درجة فى الجنة، و أهونهم عذابا فى النار، و إنى خير أهل الجنة، و أبى خير أهل النار، فأنا ابن خير الأخيار، و ابن خير الأشرار، و لك و اللّه إن دخلت فى طاعتى، و أجبت دعوتى، أن أؤمنك على نفسك و مالك، و دمك و كل أمر أحدثته، إلا حدّا من حدود اللّه تعالى، أو حق امرئ مسلم أو معاهد. فقد علمت ما يزيلك من ذلك. فأنا أولى بالأمر منك، و أوفى بالعهد؛ لأنك لا تعطى من العهد أكثر ما أعطيت رجالا قبلى، فأى الأمانات تعطى؟. أمان ابن هبيرة، أو أمان عمك عبد اللّه بن علىّ، أو أمان أبى مسلم؟ و السلام.
فكتب إليه أبو جعفر: من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد اللّه بن حسن.
أما بعد: فقد بلغنى كتابك، و فهمت كلامك، فإذا جل فخرك بقرابة النساء، لتضل به الغوغاء، و لم يجعل اللّه النساء كالعمومة و الآباء، و لا كالعصبة الأولياء؛ لأن اللّه تعالى جعل العم أبا، و بدأ به فى القرآن على الولد الأدنى. و لو كان اختيار اللّه تعالى لهن على قدر قرابتهن؛ لكانت آمنة أقربهن رحما، و أعظمهن حقا، و أول من يدخل الجنة غدا، و لكن اللّه اختار لخلقه على قدر علمه الماضى لهن.
فأما ما ذكرت من فاطمة جدته (عليه السلام)، و ولادتها لك، فإن اللّه تعالى لم يرزق واحد من ولدها دين الإسلام، و لو أن أحدا من ولدها رزق الإسلام بالقرابة، لكان عبد اللّه بن عبد المطلب، أولاهم بكل خير فى الدنيا و الآخرة، و لكن الأمر للّه، يختار لدينه من يشاء وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [الأنعام: ١١٧].
و لقد بعث اللّه محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، و له عمومة أربعة، فأنزل اللّه عليه: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ فدعاهم فأنذرهم، فأجابه اثنان، أحدهما أبى، و أبى عليه اثنان، أحدهما أبوك. فقطع اللّه ولايتهما منه، و لم يجعل بينهما إلا و لا ذمة و لا ميراثا. و قد زعمت أنك ابن أخف أهل النار عذابا، و ابن خير الأشرار، و ليس فى الشر خيار، و لا فخر فى النار، و سترد، فتعلم وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٢٢٧].
و أما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلم يلده هاشم إلا مرة واحدة، و زعمت أنك أوسط بنى هاشم نسبا، و أكرمهم أما و أبا، و أنك لم تلدك العجم، و لم تعرق فيك أمهات الأولاد، فقد رأيتك فخرت على بنى هاشم طرا، فانظر أين أنت؟ ويحك من اللّه غدا! فإنك قد تعديت طورك، و فخرت على من هو خير منك نفسا و أبا و أولا و آخرا فخرت على إبراهيم ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هل خيار ولد أبيك خاصة، و أهل الفضل منهم إلا بنو