العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٥٩ - شعبان بن حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحى النجمى السلطان الملك الأشرف، صاحب الديار المصرية و الشامية، و غير ذلك من البلاد الإسلامية
الآخر سنة ثمان و ستين و سبعمائة، لأن مماليك يلبغا ثاروا عليه، و هو مخيم مع الأشرف فى بر الجيزة، فهرب يلبغا، و انضم مماليكه إلى الأشرف، خوفا من أن يأتيه يلبغا، فيعضد الأشرف عليهم. و لما علم يلبغا باجتماع مماليكه على الأشرف، أقام سلطانا من بنى قلاوون، قال فيه العوام:
سلطان الجزيرة، ما يسوى شعيرة
لأن يلبغا حين أقامه كان نازلا بجزيرة الفيل.
و كان يلبغا قد احتاط على السفن، على مماليكه و الأشرف [...] [١] الوصول إلى القلعة و منازلهم أياما، ثم ظفروا بسفينة، فتوصلوا فيها حيث أرادوا، و علم بذلك يلبغا، فقصدهم فيمن انضم إليه من المماليك البطالة، فانكسر يلبغا و قتل، و ترشد الأشرف بعد قتله، و ناب له النظامى.
ثم وقع بين الأشرف و بين مماليك يلبغا فتنة و ضرب، فقتل أسندمر رأس مماليك يلبغا، فى طائفة كثيرة منهم، و تمكن الأشرف بعد ذلك كثيرا، و استمر حتى خلع فى ثالث ذى القعدة سنة ثمان و سبعين و سبعمائة، بولده علىّ، الملقب بالمنصور، و كان قد توجه فى هذه السنة للحج، فثار عليه جماعة من مماليكه و أمرائه فى عقبة أيلة، فتوجه إلى القاهرة هاربا، ظنّا منه أن الخلاف عليه، إنما هو بالعقبة فقط.
فلما قرب منها، رأى ما استنكره من ضرب الكؤوسات و الطبلخانات، فقصد هو و من معه قبة النصر، و اختفوا بها، و نام غالب من معه، و لم يأخذه هو نوم، فخرج منها مع يلبغا الناصرى، و كان ممن هرب معه، و اختفيا عند أستادار الناصرى، ثم انتقل إلى بيت امرأة يعرفها، يقال لها آمنة، زوج المستوى، فاختفى به، و هذا المنزل بالجودرية بالقاهرة، و علم بذلك القائمون عليه، فهجموا عليه و استخرجوه من بادهنج، و هو بزى النساء فيما قيل، و طلعوا به إلى القلعة، فعاقبوه حتى أقر بذخائره، ثم خنق فى يوم الاثنين خامس ذى القعدة سنة ثمان و سبعين [....] [٢] و فى اليوم الرابع منه علم أعداؤه بوصوله إلى القاهرة، و ما كان من خبره بالعقبة من بعض السفار معه، فدل على الأشرف و من معه، حتى أتى بأعدائه إلى قبة النصر، فوجدوا الهاربين مع الأشرف نياما، فذبحوهم و فازوا بالشهادة.
و كان الأشرف فعل بالحرمين مآثر حسنة، و هى أنه قرر دروسا فى المذاهب الأربعة، و درسا فى الحديث، و تصادير، و قراء، و مؤذنين و غيرهم، و مكتبا للأيتام. و أقام
[١] ما بين المعقوفتين بياض فى بالأصل.
[٢] ما بين المعقوفتين بياض فى بالأصل.