العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٤٧ - عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب القرشى الأسدى، أبو بكر، و أبو خبيب المدنى المكى
و لما حصر الحجاج ابن الزبير بمكة، نصب المنجنيق على أبى قبيس، و رمى به الكعبة، و كان عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنهما، قد حج تلك السنة، فأرسل إلى الحجاج: أن اتق اللّه، و اكفف هذه الحجارة عن الناس، فإنك فى شهر حرام و بلد حرام، و قد قدمت وفود اللّه من أقطار الأرض، ليؤدوا الفريضة و يزدادوا خيرا، و إن المنجنيق قد منعهم من الطواف، فاكفف عن الرمى، حتى يقضوا ما وجب عليهم بمكة. فبطل الرمى حتى عاد الناس من عرفات، و طافوا و سعوا، فلما فرغوا من طواف الزيارة، نادى منادى الحجاج:
انصرفوا إلى بلادكم، فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير، و أول ما رمى بالمنجنيق إلى الكعبة، رعدت السماء و برقت، و علا صوت الرعد على الحجارة، فأعظم ذلك أهل الشام، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق بيده، فوضعها فيه، و رمى بها معهم، فلما أصبحوا جاءت الصواعق، فقتلت من أصحابه اثنى عشر رجلا، فانكسر أهل الشام فقال الحجاج: يا أهل الشام، لا تنكروا هذا فإنى ابن تهامة، و هذه صواعقها، و هذا الفتح قد حضر فأبشروا.
فلما كان الغد، جاءت الصواعق، فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدة، فقال الحجاج: ألا ترون أنهم يصابون و أنتم على الطاعة، و هم على خلافها.
و لم يزل القتال بينهم دائما، فغلت الأسعار عند ابن الزبير، و أصاب الناس مجاعة شديدة، حتى ذبح فرسه و قسمها لحما بين أصحابه، و بيعت الدجاجة بعشرة دراهم، و المد بعشرين، و إن بيوت ابن الزبير لمملوءة قمحا و شعيرا و ذرة و تمرا، و كان أهل الشام ينتظرون فناء ما عنده، و كان يحفظ ذلك و لا ينفق منه إلا ما يمسك الرمق، و يقول:
أنفس أصحابى قوية ما لم يفن، فلما كان قبيل مقتله، تفرق عنه الناس، و خرجوا إلى الحجاج بالأمان، خرج من عنده نحو عشرة آلاف، و كان ممن فارقه: ابناه حمزة و خبيب، أخذا لأنفسهما أمانا.
و لما تفرق أصحابه عنه، خطب الناس الحجاج و قال: قد ترون قلة من مع ابن الزبير، و ما هم فيه من الجهد و الضيق، ففرحوا و استبشروا و تقدموا، فملؤوا ما بين الحجون إلى الأبواب، فحمل ابن الزبير على أهل الشام حملة منكرة، فقتل منهم، ثم انكشف هو و أصحابه، فقال له بعض أصحابه: لو لحقت بموضع كذا، فقال له: بئس الشيخ أنا إذا فى الإسلام، لئن أوقعت قوما فقتلوا، ثم فررت عن مثل مصارعهم. و دنا أهل الشام حتى امتلأت منهم الأبواب، و كانوا يصيحون به: يابن ذات النطاقين، فيقول: