العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٤١٦ - عبد اللّه بن محمد بن علىّ بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب الهاشمى، أبو جعفر المنصور العباسى، ثانى خلفاء بنى العباس
الفريقان بباخمرا [٥] على يومين من الكوفة، فالتحم القتال. فاستظهر أصحاب إبراهيم، و انهزم حميد بن قحطبة، مقدم جيش المنصور، و ثبت عيسى بن موسى فى نحو مائة، و قال: لا أزول و لو قتلت، لما أشير عليه بالفرار، ثم إن ابنى سليمان بن علىّ، عطفا مع جماعة من الفرسان، و حملوا على عسكر إبراهيم حملة صادقة، من وراء إبراهيم. فانهزم أصحاب إبراهيم، حتى بقى فى نحو من سبعين مقاتل، و تراجع المنهزمون من أصحاب المنصور، و حمى الحرب، و أصاب إبراهيم سهم غرب فى حلقه، فأنزل و هو يقول:
وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب: ٣٨]، أردنا أمرا و أراد اللّه غيره، و حف به أصحابه يحمونه، فحمل عليهم حميد بن قحطبة، فنزل إليه جماعة، و احتزوا رأسه، و حمل إلى المنصور على رمح، فخر ساجدا، و ذلك فى الخامس و العشرين من ذى القعدة سنة خمس و أربعين، و لما جاءه الرأس، تمثل بقول معقر [من الطويل]:
فألقت عصاها و استقر بها النوى* * * كما قر عينا بالإياب المسافر
و كان لما وصل إليه المنهزمون من أصحابه، قد هيأ النجائب للهرب إلى الرى [٦].
و كان بها ولده فى أكثر جيش، و تمثل حين اشتد قلقه بقول القائل [من الكامل]:
و نصبت نفسى للرماح دريئة* * * إن الرئيس لمثل ذاك فعول
و فى سنة خمسين و مائة، خرجت جيوش خراسان عن طاعته، فبعث لحربهم حازم ابن خزيمة فى جيش عرمرم يسد الفضاء، فالتقى الجيشان، و صبر الفريقان. فانهزم الملك أستاذ سيس [٧] الذى انضم إليه جيش خراسان، ثم حوصر مدة، فسلم نفسه و قتل.
و فى سنة ثلاث و خمسين، غلبت الخوارج الأباضية على مملكة أفريقية، و قتلوا نائب المنصور بها، و هزموا عسكره، و كان رءوس الخوارج ثلاثة: أبو قرة فى أربعين ألفا من الصفرية، و أبو حاتم فى مائتى ألف من الفرسان، و أبو عاد، و بويع أبو قرة بالخلافة.
و لما بلغ المنصور خبرهم أهمه ذلك، و بعث فى سنة أربع و خمسين، يزيد بن حاتم فى خمسين ألف فارس، و أنفق على الجيش ثلاثة و ستين ألف ألف درهم.
[٥] باخمرا: بالراء، موضع بين الكوفة و واسط و هو إلى الكوفة أقرب، قالوا: بين باجرا و الكوفة سبعة عشر فرسخا. انظر: معجم البلدان (باخمرا).
[٦] الرى: بفتح أوله، و تشديد ثانيه .. و هى مدينة مشهورة من أمهات البلاد و أعلام المدن.
انظر: معجم البلدان ٣/ ١١٦ و ما بعدها.
[٧] سيس: بلد هو اليوم من أعظم مدن الثغورا الشامية بين أنطاكية و طرسوس. انظر:
معجم البلدان ٣/ ٢٩٧.