العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٢٢ - ١٤٨٦- عبد اللّه بن أسعد بن على بن سليمان اليافعى اليمنى
الكتاب مختتما بهذا القانت الأواب، و قال: فضيل مكة و فاضلها، و عالم الأباطح و عاملها، و قال: كان إماما يسترشد بعلومه و يقتدى، و علما يستضاء بنوره و يهتدى.
ولد قبل السبعمائة، و بلغ الاحتلام سنة إحدى عشرة، و كان فى ذلك السن ملازما لبيته، تاركا لما يشتغل به الأطفال من اللعب.
و لما رأى والده آثار الفلاح عليه ظاهرة بعث به إلى عدن، فقرأ بها القرآن، و اشتغل بالعلم، و حج الفرض سنة اثنتى عشرة، و عاد إلى بلاده، و حبب إليه الخلوة و الانقطاع، و السياحة فى الجبال، و صحب شيخه الشيخ عليّا المعروف بالطواشى، و هو الذى سلكه الطريق، ثم عاد إلى مكة سنة ثمان عشرة، و جاور بها و تزوج، و أقام بها مدة ملازما للعلم، ثم ترك التزويج و تجرد نحو عشر سنين، و تردد فى تلك المدة بين الحرمين، و رحل إلى الشام سنة أربع و ثلاثين، و زار القدس و الخليل، و أقام بالخليل نحو مائة يوم، ثم قصد الديار المصرية فى تلك السنة مخفيا أمره، فزار الإمام الشافعى و غيره من المشاهد، و كان أكثر إقامته فى القرافة، فى مشهد ذى النون المصرى، ثم حضر عند الشيخ حسين الجاكى فى مجلس وعظه و عند الشيخ عبد اللّه المنوفى بالصالحية، و عند الجويراوى بسعيد السعداء، و كان إذ ذاك شيخها، و زار الشيخ محمد المرشدى بمنية ابن مرشد من الوجه البحرى، و بشره بأمور، ثم قصد الوجه القبلى، فسافر إلى الصعيد الأعلى، و عاد إلى الحجاز، و جاور بالمدينة مدة، ثم سافر إلى مكة، و تزوج و أولد عدة أولاد، ثم سافر إلى اليمن سنة ثمان و ثلاثين، لزيارة شيخه الشيخ على الطواشى، و مع هذه الأسفار، لم تفته حجة فى هذه السنين، ثم عاد إلى مكة، و أنشد لسان الحال [١]:
فألقت عصاها و استقر بها النوى* * * كما قر عينا بالإياب المسافر
و عكف على التصنيف و الإقراء و الإسماع، و صنف تصانيف كثيرة فى أنواع من العلوم، و كان كثير الإيثار و الصدقة مع الاحتياج، متواضعا مع الفقراء، مترفعا على أبناء الدنيا، معرضا عما فى أيديهم. و كان نحيفا ربعة من الرجال. و ذكر أنه توفى ليلة الأحد المسفر صباحها عن العشرين من جمادى الآخرة، سنة ثمان و ستين و سبعمائة بمكة، و دفن بالمعلاة جوار الفضيل بن عياض، و بيعت حوائجه الحقيرة بأغلى الأثمان، بيع له مئزر عتيق بثلاثمائة درهم، و طاقية بمائة، و قس على ذلك. انتهى.
و من شعره [٢] [من الطويل]:
ألا أيها المغرور جهلا بعزلتى* * * عن الناس ظنا أن ذاك صلاح
[١] انظر ترجمته فى: (طبقات الشافعية ٢/ ٣٣١).
[٢] انظر ترجمته فى: (طبقات الشافعية ٢/ ٣٣٢).