العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٨١ - سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك المدلجى الكنانى، يكنى أبا سفيان
و الحديث مخرج فى الكتب المشهورة: الصحيحان، و السيرة لابن إسحاق، و فيها زيادة فى خبر سراقة، فنذكر ذلك لما فيه من الفائدة.
قال: فحدثنى محمد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن عمه سراقة ابن جعشم، قال: لما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من مكة إلى المدينة مهاجرا، جعلت فيه قريش مائة ناقة، لمن رده عليهم، و ذكر حديث طلبه و ما أصاب فرسه، و أنه سقط عنه ثلاث مرات، قال: فلما رأيت ذلك، علمت أنه ظاهر، فناديت: أنا سراقة بن مالك بن جعشم، أنظرونى أكلمكم، فو اللّه لا أريبكم و لا يأتيكم منى ما تكرهونه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، لأبى بكر- رضى اللّه عنه: «قل له ما تبتغى منا؟» فقال لى أبو بكر، فقلت:
تكتب لى كتابا يكون آية بينى و بينك، فكتب لى كتابا، فى عظم أو فى رقعة أو فى خرقة، فألقاه و أخذته فجعلته فى كنانتى، فرجعت و لم أذكر شيئا مما كان، حتى إذا فتح اللّه على رسوله مكة، و فرغ من حنين و الطائف، خرجت و معى الكتاب لألقاه، فلقيته بالجعرانة، فدخلت فى كتيبة من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعوننى بالرماح، و يقولون:
إليك، ما ذا تريد؟ حتى إذا دنوت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو على ناقته، و اللّه لكأنى أنظر إلى ساقه فى غرزه كأنها جمارة، فرفعت يدى بالكتاب، ثم قلت: يا رسول اللّه هذا كتابك، و أنا سراقة بن مالك بن جعشم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «هذا يوم وفاء و برّ، ادنه، فدنوت منه، فأسلمت. و ذكر حديث سؤاله عن ضالة الإبل. انتهى.
و خبر لبس سراقة سوارى كسرى، و إخبار النبى (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك، ذكره ابن عبد البر بزيادة فائدة، قال: و روى سفيان بن عيينة، عن أبى موسى، عن الحسن، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبست سوارى كسرى؟» فلما أتى عمر- رضى اللّه عنه- بسوارى كسرى و منطقته و تاجه، دعا سراقة بن مالك- رضى اللّه عنه- فألبسه إياهما. و كان سراقة رجلا أزبّ، كثير شعر الساعدين. و قال له: «ارفع يديك».
فقال: «اللّه أكبر، الحمد للّه الذى سلبهما كسرى بن هرمز، الذى كان يقول: أنا ربّ الناس». و كان سراقة بن مالك بن جعشم، شاعرا مجيدا، و هو القائل لأبى جهل [١] [من الطويل]:
أبا حكم و اللّه لو كنت شاهدا* * * لأمر جوادى إذ تسوخ قوائمه
علمت و لم تشكك بأن محمدا* * * رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
عليك بكف القوم عنه فإننى* * * أرى أمره يوما ستبدو معالمه
بأمر يود الناس فيه بأسرهم* * * بأن جميع الناس طرّا تسالمه
[١] انظر الأبيات فى الاستيعاب ترجمة ٩٢١.