شرح فروع الكافي - المازندراني، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٥ - باب حجّ إبراهيم و إسماعيل و بناؤهما البيت و من ولي البيت بعدهما عليهما السلام
توضيح ذلك على سبيل الإجمال أنّ أهل مكّة بعد موت معاوية بايعوا ابن الزبير، و اجتمع على طاعته أهل الحجاز و العراق و خراسان، و وقع بينه و بين يزيد و مروان بن الحكم محاربات حتّى مات مروان و ولي ابنه عبد الملك، و استعلى أمره بطاعة أهل الشام و مصر و المغرب و غيرها من البلاد، فوجّه الحجّاج في جيشٍ عظيم، فحصر ابن الزبير بمكّة خمسة أشهر و سبعة عشر يوماً، فحاصر أهل مكّة، و هم التجوا بالكعبة، و ازدحموا في المسجد، فاستقرّ رأي الحجّاج و أصحابه برمي المنجنيق، و لطّخوا الأحجار بدم الخنازير، إلى أن خرّب الكعبة، و غلب على ابن الزبير و قتله و هو ابن اثنين و سبعين سنة، و قد كان بويع له و هو ابن خمس و ستّين سنة، ثمّ صلبه بعد ما قتله في عقبة المدنيّين، و بقي مصلوباً إلى أن دخل عروة بن الزبير إلى عبد الملك و سأله أن ينزله من خشبته فأسعفه.[١] انتهى.
و أقول: قد اشتهر في الألسن أنّ الحجّاج خرّب الكعبة على ابن الزبير؛ لتحصّنه بها، و أنّه لطّخ حصى المنجنيق بدم الخنازير لما أنّ الملائكة كانوا يردّونها و لم ارَ خبراً بذلك يعتدّ به، بل قد حكى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: أنّه لمّا قدم الحجّاج مكّة شاور ابن الزبير حليلته الجليلة بنت الحسين عليه السلام و امّه في بيعة عبد الملك و المصالحة مع الحجّاج، فنهتاه عن ذلك و أمرتاه بمحاربته، و ألبسته امّه أسلحة الحرب بيدها و أخرجته من بيته، فخرج في جماعة من أصحابه و قاتل حتّى قُتل في بعض الأزقّة.[٢] و أنّى له الخنازير بمكّة؟ و كيف تيسّر له ذلك؟ و قد ثبت أنّه ما أراد أحد هتك حرمتها إلّا أهلكه اللَّه تعالى.
يدلّ عليه أخبار منها هذا الخبر، و منها ما رواه حسّان بن مهران قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «مكّة حرم اللَّه و المدينة حرم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله
[١]. انظر: تاريخ الطبري، ج ٥، حوادث سنة ٧٢؛ الاستيعاب، ج ٣، ص ٩٠٧- ٩١٠، ترجمة عبد اللّه بن الزبير؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٢٠، ص ١٠٣- ١٠٦، شرح الخطبة ٤٦١.