شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٣١ - الشرح
اعظم فتنة ابدعها الشيطان و انتشرت بين الناس يتشبث بها المنافقون المعرضون عن طريق الحق من انكار الحكمة و اليقينيات و الاقتصار على الظنون و النقليات، و انما عبر عن ايجاد الاشياء باجرائها تنبيها على ان وجودات الاشياء الكونية على وجه السيلان و التجدد و انها تدريجية الوجود من باب الحركة و الزمان- كما حققناه و اثبتنا به حدوث العالم بجميع ما فيه-.
و قوله: فجعل لكل شيء سببا، اى لكل موجود سواه، فان الممكن مفتقر الى السبب لا فى امكانه و لا فى شيئيته بل فى وجوده، فالمجعول هو وجود الانسان مثلا لا ماهيته و لا انسانيته و لا كونه انسانا او حيوانا بالجعل البسيط او المركب كما بين فى مقامه، و قوله: و جعل لكل سبب شرحا، اى حدا او رسما و هو الّذي يقال له القول الشارح فى عرف النظار، فالحد للمركبات سواء كان من المواد و الصور او من الاجناس و الفصول، و الرسم للبسائط و هو من الخواص و الاعراض اللازمة.
و قوله: و جعل لكل شرح علما، اراد بالعلم اليقين كما هو عرف القرآن و الحديث، و فيه اشارة الى ما بين فى الحكمة ان الحد للشىء و البرهان عليه متشاركان فى الاجزاء و الحدود، و ما لا حد له لا برهان عليه و كذا العكس، و ان العلم اليقينى بذى السبب لا يحصل الا من جهة سببه و هو البرهان.
فكما ان العلم بوجود الشيء لا يحصل الا بالبرهان فكذلك معرفة حده و شرحه لا يحصل الا بالبرهان، لان اجزاء شرحه الحدى هى بعينها اسباب وجوده فى ذاته و اجزاء شرحه الرسمى هى اسباب وجوده على صفة[١]، و قد جعل اللّه لكل من هذه المطالب علما يستفاد بالبرهان و هو معرفة الشيء من جهة سببه.
و قوله: و جعل لكل علم بابا ناطقا عرفه من عرفه و جهله من جهله، الضمير الاول فى كل منهما راجع الى العلم و الثانى الى الباب، و قد علمت فيما سبق ان حجة اللّه حجتان:
حجة باطنة و حجة ظاهرة.
فالاولى الأنبياء و من يحذو حذوهم فى الاخذ عن اللّه بواسطة البرهان العقلى.
[١] على صفته- م.