شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢١٤ - الشرح
الجسمانيات، و يكون اكثر فكره فى احوال الروحانيات و عالم الملكوت و احوال الآخرة و مقاماتها.
و اما علماء الدنيا فانهم يتبعون غرائب التفريعات و الاقضية و الحكومات و دقائق المجادلات، و يتعبون انفسهم فى وضع مسألة فقيهة غريبة لا يتفق مثلها فى انقضاء الدهور، و ما ابعد عن السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر ايثارا لقبول الخلق و التقرب إليهم على قبول الحق و القرب من اللّه، و فرحا و سرورا فى ان يسميه البطالون من ابناء الدنيا فاضلا علامة بالدقائق؟
فجزاء من كانت حاله هذه، ان لا ينتفع فى الدنيا بقبول الخلق ثم يرد القيامة مفلسا خاسرا متحسرا على ما يشاهد من ربح العلماء و فوز المقربين، و ذلك هو الخسران المبين.
ثم ان هذا العالم الطالب للدنيا المعرض عن الآخرة، ممن يزيد حسرته و ندامته فى ان يرى من تلامذته و مستمعى كلامه و وعظه من عمل بما تعلم منه، و اتعظ بما سمعه منه و استجاب له فيما دعاه إليه، فحسن حاله يوم الآخرة و دخل الجنة بروح و ريحان و سرور و نعيم لاجل قبوله دعوة الحق و طاعته، و هو فى النار بغصة و عذاب أليم و نزل من زقوم و حميم و تصلية جحيم بتركه العمل بما علمه و اتباعه الهوى و طول الامل، و ذلك لان اتباع الهوى و الشهوات يصد النفس عن طريق الحق و يحجب القلب عن فهم المعارف، اذ الشهوة و العلم كانهما متضادان، و كل من غلبت شهوته نقص عقله و من غلب عقله انكسرت شهوته.
فاعتبر بحال الملائكة و البهائم، فالمتجرد للعقل كالملك و المتجرد للشهوة كالبهيمة، و ان طول الامل فى الدنيا يوجب نسيان الآخرة، اذ الدنيا و الآخرة كأنهما ضرتان متى ارضيت احداهما اسخطت الاخرى: على انا قد اشرنا سابقا ان نشأة الآخرة نشأة الذكر و دار المعرفة، و المنسى معدوم من الناسى، فكل من نسى الآخرة يكون من الهالكين، و كل من جحدها او شيئا من مواقفها و مقاماتها الواردة فى الشريعة يكون من المعذبين.