إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٦٠٨ - و من كلامه عليه السلام للوليد في يزيد اللعين
قيس يحضر مجلس منادمته و يطرح له متكأ، و كان قردا خبيثا، و كان يحمله على أتان وحشية قد ريضت و ذللت لذلك بسرج و لجام، و يسابق بها الخيل يوم الحلبة. فجاء في بعض الأيام سابقا فتناول القصبة و دخل الحجرة قبل الخيل و على أبي قيس قباء من الحرير الأحمر و الأصفر مشهر، و على رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشقائق، و على الأتان سرج من الحرير منقوش ملمع بأنواع من الألوان، فقال في ذلك بعض شعراء الشام في ذلك اليوم:
تمسك أبا قيس بفضل عنانها فليس عليها ان سقطت ضمان ألا من رأى القرد الذي سبقت به جياد أمير المؤمنين أتان و في يزيد و تملكه و تجبره و انقياد الناس إلى ملكه يقول الأحوص:
ملك تدين له الملوك مبارك كادت لهيبته الجبال تزول تجبى له بلخ و دجلة كلها و له الفرات و ما سقى و النيل و لما شمل الناس جور يزيد و عماله، و عمهم ظلمه و ما ظهر من فسقه من قتله ابن بنت رسول اللّه و أنصاره و ما ظهر من شرب الخمور، أخرج أهل المدينة عامله عليهم و هو عثمان بن محمد بن أبي سفيان و مروان بن الحكم و سائر بني أمية و ذلك لما أظهر ابن الزبير الدعوة لنفسه في سنة ٦٣ ه فلما علم بذلك يزيد سيّر إليهم بالجيوش من أهل الشام، عليهم مسلم بن عقبة المري الذي أخاف المدينة و نهبها و قتل أهلها و بايعه أهلها على أنهم عبيد ليزيد و سماها نتنة، و قد سماها رسول اللّه طيبة. و لما انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرة و عليهم مسرف خرج إلى حربه أهلها فكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس من بني هاشم و سائر قريش و الأنصار و غيرهم، ثم خرج مسرف إلى مكة، فلما انتهى إلى الموضع المعروف بقديد مات مسرف و استخلف على الجيش الحصين بن نمير فسار إلى مكة و أحاط بها و نصب فيمن معه من أهل الشام المجانيق و العرّادات على مكة و المسجد فانهدمت الكعبة و اشتد الأمر على أهل مكة و ابن الزبير و اتصل الأذى بالأحجار و النار و السيف. ففي ذلك يقول أبو حرّة المديني:
ابن نمير بئس ما تولى قد أحق المقام و المصلّى أوردنا هنا سيرة يزيد و نوادره و هي سيرة لا ترضي أحدا، فقد ثبت من عدة مصادر أنه كان يحتسي الخمر و يتباهى بشربها، و أنه كان مولعا بالنساء و الملاهي و الألعاب و أعمال الطائشين، و قد كان الحسين رضي اللّه عنه معذورا في القيام في وجهه و تضحيته نفسه لأن هذه أخلاق منكرة يجب محاربتها، و لم يطق أهل المدينة و مكة هذا الظلم و الجور و ارتكاب الموبقات و انتشار الخمور في بلادهم المقدسة التي هي موضع احترام المسلمين كافة فقاموا بثورة كبيرة لا تأييدا لابن الزبير فقط، بل سخطا على هذه الفوضى و تمكنوا من طرد بني أمية غير أن يزيد استعان عليهم بجيش