المهذب البارع في شرح المختصر النافع - ابن فهد الحلي - الصفحة ١٥٩ - أما الصيغة
..........
و التراب من لا شيء، فقال: (لكن) فكان، كما شاء، و أراد بشرا سويا.
و لكن من بديع قدرته و عجائب صنعته، وسعة إحاطته، و لطيف خبره، رتّب المسبّبات على الأسباب، تنبيها للألباب، و كشفا للحجاب عن طريق الرشد و الصواب، و دليلا على تفرّده بالاستغناء الحقيقي و الوجود الأزلي قال الصادق عليه السّلام: «إلى اللّه أن يجرى الأشياء إلّا على الأسباب» [١] [١].
قال بعض العلماء: هذا واجب في الحكمة الإلهية، ليعرف بذلك أنّه لا سبب له، فيكون ذلك لطفا في معرفته تعالى.
ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين عليه السّلام: «و بمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضدّ له» [٢] و مثله ما روى عن الصادق عليه السّلام: «لو لم يكن الشّاهد دليلا على الغائب لما كان للخلق طريق إلى إثباته تعالى» [٣].
و كان في مشاهدة ذلك و ما اشتملت عليه من التدبير، حيث خلق الشهوة باعثة، كالموّكل بالفحل في إخراج البذر، و بالأنثى بالتمكن من الحرث، تلطفا بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع، كالمتلطف بالطير في بثّ الحبّ الّذي يشتهيه، ليساق إلى الشبكة، ثمَّ ألقى في قلوبهما من الحنّة عليه و الرأفة به ما يربّيانه بها، إظهارا للقدرة و إتماما لعجائب الصنعة، و تنبيها على لطيف الحكمة، و توقيفا على
[١] أي جرت عادته سبحانه على وفق قانون الحكمة و المصلحة أن يوجد الأشياء بالأسباب، كايجاد زيد من الآباء و المواد و العناصر، و إن كان قادرا على إيجاده من كتم العدم دفعة بدون الأسباب، و كذا علوم أكثر العباد و معارفهم جعلها منوطة بشرائط و علل و أسباب، كالمعلم، و الرسول، و الملك، و اللوح، و القلم، و ان كان يمكنه افاضتها بدونها، و كذا سائر الأمور التي تجري في العالم، (مرآة العقول: ج ٢ ص ٣١٢).
[١] الكافي: ج ١ باب معرفة الامام و الرد اليه، ص ١٨٣ قطعة من حديث ٧.
[٢] نهج البلاغة: (صبحي الصالح) الخطبة ١٨٦ ص ٢٧٣ س ٢.
[٣] عوالي اللئالى: ج ٣ ص ٢٨٦ الحديث ٢٨.