تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٤٨٠ - ذكر مجلس مناظرة الامام الرضا عليه السّلام مع علماء الملل و الأديان
الموصوف بها، أ فهمته؟ قال: نعم.
قال الرضا عليه السّلام: و اعلم انّه لا يكون صفة لغير موصوف، و لا اسم لغير معنى، و لا حدّ لغير محدود، و الصفات و الاسماء كلّها تدل على الكمال و الوجود، و لا تدلّ على الاحاطة كما تدلّ على الحدود التي هي التربيع و التثليث و التسديس لأن اللّه عز و جل و تقدّس تدرك معرفته بالصفات و الاسماء، و لا تدرك بالتحديد بالطول و العرض و القلّة و الكثرة و اللّون و الوزن و ما أشبه ذلك، و ليس يحلّ باللّه جل و تقدّس شيء من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا، و لكن يدلّ على اللّه عز و جل بصفاته و يدرك بأسمائه و يستدلّ عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين، و لا استماع اذن، و لا لمس كفّ، و لا إحاطة بقلب.
فلو كانت صفاته جلّ ثناؤه لا تدلّ عليه و أسماؤه لا تدعو إليه و المعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لأسمائه و صفاته دون معناه، فلو لا أنّ ذلك كذلك لكان المعبود الموحّد غير اللّه تعالى لأنّ صفاته و أسماءه غيره، أ فهمت؟ قال: نعم يا سيدي زدني.
قال الرضا عليه السّلام: إياك و قول الجهال أهل العمى و الضّلال الذين يزعمون ان اللّه عز و جل و تقدّس موجود في الآخرة للحساب و الثواب و العقاب، و ليس بموجود في الدنيا للطاعة و الرجاء، و لو كان في الوجود للّه عز و جل نقص و اهتضام لم يوجد في الآخرة أبدا، و لكنّ القوم تاهوا و عموا و صمّوا عن الحق من حيث لا يعلمون، و ذلك قوله عز و جل: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا [١].
يعني أعمى عن الحقائق الموجودة، و قد علم ذووا الالباب ان الاستدلال على ما هناك لا يكون الا بما هاهنا، و من أخذ علم ذلك برأيه و طلب وجوده و إدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك الا بعدا لأن اللّه عز و جل جعل علم ذلك خاصّة عند قوم يعقلون و يعلمون و يفهمون.
[١] الإسراء، الآية ٧٢.