تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٣٤ - الفصل الخامس فيما جرى بينه و بين المنصور الدوانيقي
و لكن انزل عليه نزلا فأت به على الحال التي هو فيها، قال: فأتيته و قد ذهب الليل الّا أقلّه، فأمرت بنصب السلاليم و تسلّقت عليه الحائط فنزلت عليه داره، فوجدته قائما يصلّي و عليه قميص و منديل قد ائتزر به، فلمّا سلّم من صلاته قلت له: أجب أمير المؤمنين.
(١) فقال: دعني ادعو و ألبس ثيابي، فقلت له: ليس إلى تركك و ذلك سبيل، قال: و أدخل المغتسل فأتطهّر، قال: قلت: و ليس إلى ذلك سبيل فلا تشغل نفسك فانّي لا أدعك تغيّر شيئا، قال: فأخرجته حافيا حاسرا في قميصه و منديله و كان قد جاوز عليه السّلام السبعين.
(٢) فلمّا مضى بعض الطريق ضعف الشيخ فرحمته فقلت له: اركب، فركب بغل شاكري [١] كان معنا، ثم صرنا إلى الربيع فسمعته و هو يقول له: ويلك يا ربيع قد أبطأ الرجل و جعل يستحثّه استحثاثا شديدا، فلمّا أن وقعت عين الربيع على جعفر بن محمد و هو بتلك الحال بكى.
(٣) و كان الربيع يتشيّع، فقال له جعفر عليه السّلام: يا ربيع أنا أعلم ميلك إلينا فدعني أصلّي ركعتين و أدعو، قال: شأنك و ما تشاء، فصلّى ركعتين خفّفهما ثم دعا بعدهما بدعاء لم أفهمه الّا انّه دعاء طويل و المنصور في ذلك كلّه يستحثّ الربيع، فلمّا فرغ من دعائه على طوله أخذ الربيع بذراعيه فأدخله على المنصور، فلمّا صار في صحن الإيوان وقف ثم حرّك شفتيه بشيء لم أدر ما هو، ثم أدخلته، فوقف بين يديه.
(٤) فلمّا نظر إليه قال: و أنت يا جعفر ما تدع حسدك و بغيك و إفسادك على أهل هذا البيت من بني العباس و ما يزيدك اللّه بذلك الّا شدّة حسد و نكد ما يبلغ به ما تقدره.
فقال له: و اللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا من هذا و لقد كنت في ولاية بني أمية و أنت تعلم انّهم أعدى الخلق لنا و لكم و انّهم لا حق لهم في هذا الأمر فو اللّه ما بغيت عليهم و لا بلغهم عنّي سوء مع جفائهم الذي كان لي، و كيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا؟ و أنت ابن عمّي و أمسّ الخلق بي رحما و اكثرهم عطاء و برّا فكيف أفعل هذا؟
[١] الشاكري: الأجير و المستخدم معرّب چاكر.