تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٠٧ - الفصل الثالث في ذكر نبذة من حكمه و مواعظه و نصائحه عليه السّلام
نعمائه، و صبر على بلائه، و فرّ إليه، و استغفر من ذنوبه و امّا أنا فكلب عقور حبست نفسي في هذه الصومعة كي أريح الناس من شرّي و لا أوذيهم.
(١) و نقل عن قثم الزاهد قال: رأيت راهبا و الها و هو على باب بيت المقدس، فقلت له: عظني، قال: كن في الدنيا كالذي احتوشته الوحوش من كلّ جانب و تريد الفتك به فهو خائف حيران إذا غفل افترسته الوحوش، فيمضي ليله بالخوف و القلق و الحال انّ المغرورين يبيتون آمنين، و يمسي بالحزن و الغم و الحال انّ البطّالين في فرح و سرور، فقال هذا و ذهب، فقلت له: زدني، فقال: العطشان يقنع بالماء القليل.
(٢) و قيل لراهب: ما الذي دعاك على ترك الخلق؟ قال: خفت أن يسرق ديني و أنا في غفلة، و قال سفيان الثوري لجعفر بن محمد عليه السّلام: يا ابن رسول اللّه اعتزلت الناس، فقال عليه السّلام: يا سفيان فسد الزمان و تغيّر الاخوان فرأيت الانفراد اسكن للفؤاد ثم قال عليه السّلام:
ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب * * * و الناس بين مخاتل و موارب
يفشون بينهم المودّة و الصفا * * * و قلوبهم محشوّة بعقارب [١]
(٣) أما ما ورد في كراهية الاعتزال فكثير، و نكتفي بما ذكره العلامة المجلسي في عين الحياة، قال ما ملخّصه: لا يكون الاعتزال عن كافة الناس ممدوحا في هذه الامة، و قد وردت أحاديث كثيرة في فضل تزاور الاخوان و عيادة المريض و اعانة المحتاجين و تشييع الجنائز و قضاء الحوائج، و لا تجتمع هذه مع الاعتزال، مضافا إلى قيام الاجماع على وجوب تعلّم الجاهل العلم و ضروريات الدين، و وجوب هداية الخلق و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر على العالم و لا يجتمع هذا مع العزلة أيضا كما روى الكليني بسند معتبر انّ رجلا قال للامام الصادق عليه السّلام:
جعلت فداك رجل عرف هذا الأمر لزم بيته و لم يتعرّف إلى احد من اخوانه، قال: فقال:
[١] البحار، ج ٤٧، ص ٦٠، ح ١١٦.