تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٣١ - الفصل الرابع في جملة من كلماته الشريفة و مواعظه البليغة
و مسترجع داع له اللّه مخلصا * * * يعدد منه كل ما هو ذاكر
و كم شامت مستبشر بوفاته * * * و عمّا قليل للذي صار صائر
(١) فشقّت جيوبها نساؤه، و لطمت خدودها إماؤه، و أعول لفقده جيرانه، و توجع لرزيته اخوانه، ثم اقبلوا على جهازه و شمروا لابرازه، كأنّه لم يكن بينهم العزيز المفدى و لا المجيب المبدى:
و حل أحب القوم كان بقربه * * * يحث على تجهيزه و يبادر
و شمر من قد أحضروه لغسله * * * و وجه لما فاض للقبر حافر
و كفن في ثوبين و اجتمعت له * * * مشيعة اخوانه و العشائر
(٢) فلو رأيت الاصغر من أولاده، قد غلب الحزن على فؤاده و يخشى من الجزع عليه، و خضبت الدموع عينيه و هو يندب أباه و يقول: يا ويلاه وا حرباه:
لعاينت من قبح المنية منظرا * * * يهال لمرآه و يرتاع ناظر
اكابر أولاد يهيج اكتئابهم * * * إذا ما تناساه البنون الأصاغر
و ربه نسوان عليه جوازع * * * مدامعهنّ فوق الخدود غوازر
(٣) ثم اخرج من سعة قصره الى ضيق قبره، فلمّا استقر في اللحد و هيّئ عليه اللبن، احتوشته اعماله، و أحاطت به خطاياه، و ضاق ذرعا بما رآه، ثم حثوا بأيديهم عليه التراب، و اكثروا البكاء عليه و الانتحاب، ثم وقفوا ساعة عليه، و آيسوا من النظر إليه و تركوه رهنا بما كسب و طلب:
فولوا عليه معولين و كلهم * * * لمثل الذي لاقى أخوه محاذر
كشاء رتاع [١]آمنين بدالها * * * بمديته بادى الذراعين حاسر
فريعت و لم ترتع قليلا و أجفلت * * * فلمّا نأى عنها الذي هو جاذر [٢]
[١] رتاع: الذي يتتبع بابله المراتع الخصبة.
[٢] جاذر: ولد البقرة الوحشية.