تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٤٧٧ - ذكر مجلس مناظرة الامام الرضا عليه السّلام مع علماء الملل و الأديان
و لا لون و لا ذوق. و التقدير، و الاعراض، و الصور، و العرض، و الطول. و منها العمل و الحركات التي تصنع الاشياء و تعلمها و تغيّرها من حال إلى حال و تزيدها و تنقصها، و أما الأعمال و الحركات فانّها تنطلق لأنّها لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه، فاذا فرغ من الشيء انطلق بالحركة و بقي الاثر، و يجري مجرى الكلام الذي يذهب و يبقى أثره.
قال له عمران: يا سيدي الا تخبرني عن الخالق إذا كان واحدا لا شيء غيره و لا شيء معه أ ليس قد تغيّر بخلقه الخلق؟ قال الرضا عليه السّلام: لم يتغيّر عزّ و جل بخلق الخلق، و لكنّ الخلق يتغير بتغييره.
قال عمران: فبأيّ شيء عرفناه؟ قال عليه السّلام: بغيره، قال: فأي شيء غيره؟ قال الرضا عليه السّلام:
مشيته و اسمه و صفته و ما أشبه ذلك، و كل ذلك محدث مخلوق مدبّر.
قال عمران: يا سيدي فأيّ شيء هو؟ قال عليه السّلام: هو نور، بمعنى أنّه هاد لخلقه من أهل السماء و أهل الأرض، و ليس لك عليّ أكثر من توحيدي إياه.
قال عمران: يا سيدي أ ليس قد كان ساكتا قبل الخلق لا ينطق ثم نطق؟ قال الرضا عليه السّلام:
لا يكون السكوت إلا عن نطق قبله [١] و المثل في ذلك أنّه لا يقال للسّراج: هو ساكت لا ينطق، و لا يقال: إنّ السراج ليضيئ فيما يريد أن يفعل بنا لأنّ الضوء من السّراج ليس بفعل منه و لا يكون، و انما هو ليس شيء غيره، فلمّا استضاء لنا قلنا: قد أضاء لنا حتّى استضأنا به، فبهذا تستبصر أمرك.
قال عمران: يا سيدي فإنّ الذي كان عندي أنّ الكائن قد تغير في فعله عن حاله بخلقه الخلق، قال الرضا عليه السّلام: أحلت يا عمران في قولك: انّ الكائن يتغير في وجه من الوجوه حتى
[١] لانّه عدم الملكة و لا يصح الّا فيما تصح ملكته، فليس اللّه ساكتا و لا ناطقا بالمعنى الذي فينا حتى يلزم فيه التغير و التركيب، كما لا يقال للسراج: انّه ساكت حين طفئه و لا انّه ناطق حين اضاءته، و قوله: «و لا يقال انّ السراج ليضيء فيما يريد ...» كأنّه تمثيل و بيان لقوله: «هو نور» حتى لا يتوهم السامع من تفسيره بالهادي انّ النور كون و احداث وراءه ذاته تعالى بل هو هو و ليس شيء غيره على ما صرح به في أحاديث الباب العاشر و ما بعده، كما انّ الضوء عين السراج لا انّه كون و احداث وراء ذاته. (كتاب التوحيد).