تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٣٦ - الفصل الخامس فيما جرى بينه و بين المنصور الدوانيقي
و الانصراف إلى مدينة جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(١) فخرجنا من عنده و أنا مسرور فرح بسلامة جعفر عليه السّلام و متعجّب مما أراد المنصور و ما صار إليه من أمره فلمّا صرنا في الصحن قلت له: يا ابن رسول اللّه انّي لأعجب مما عمد إليه هذا في بابك و ما أصارك اللّه إليه من كفايته و دفاعه و لا عجب من أمر اللّه عز و جل و قد سمعتك تدعو في عقيب الركعتين بدعاء لم أدر ما هو الّا انّه طويل و رأيتك قد حرّكت شفتيك هاهنا- أعني الصحن- بشيء لم أدر ما هو.
(٢) فقال لي: أمّا الأول فدعاء الكرب و الشدائد لم أدع به على أحد قبل يومئذ، جعلته عوضا من دعاء كثير أدعو به إذا قضيت صلاتي لأنّي لم أترك أن أدعو ما كنت أدعو به، و امّا الذي حرّكت به شفتي فهو دعاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الأحزاب ثم ذكر الدعاء.
(٣) ثم قال: لو لا الخوف من أمير المؤمنين لدفعت إليك هذا المال و لكن قد كنت طلبت منّي أرضي بالمدينة و أعطيتني بها عشرة آلاف دينار فلم أبعك و قد وهبتها لك، قلت: يا ابن رسول اللّه إنمّا رغبتي في الدعاء الاوّل و الثاني فاذا فعلت هذا فهو البرّ و لا حاجة لي الآن في الأرض، فقال: انّا أهل بيت لا نرجع في معروفنا، نحن ننسخك الدعاء و نسلّم إليك الأرض، ... و أملى عليّ دعاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أملى عليّ الذي دعاه بعد الركعتين.
(٤) قال: فقلت: يا ابن رسول اللّه لقد كثر استحثاث المنصور و استعجاله ايّاي و أنت تدعو بهذا الدعاء الطويل متمهّلا كأنّك لم تخشه؟ قال: فقال لي: نعم كنت أدعو به بعد صلاة الفجر بدعاء لا بدّ منه، فأمّا الركعتان فهما صلاة الغداة خففتهما و دعوت بذلك الدعاء بعدهما، فقلت له: أ ما خفت أبا جعفر و قد أعدّ لك ما أعدّ؟! قال: خيفة اللّه دون خيفته و كان اللّه عز و جل في صدري أعظم منه.
(٥) قال الربيع: كان في قلبي ما رأيت من المنصور من غضبه و حنقه على جعفر و من الجلالة له في ساعة ما لم أظنّه يكون في بشر، فلمّا وجدت منه خلوة و طيب نفس، قلت: يا أمير المؤمنين رأيت منك عجبا، قال: ما هو؟ قلت: يا أمير المؤمنين رأيت غضبك على جعفر غضبا لم أرك