تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٨٠٠ - الحكاية الثالثة و العشرون؛ في تفريقه عليه السّلام لأعراب عنيزة عن طريق الزوار
الباطل، صار ببركة دعوته من داخل الحلّة و أطرافها من الأعراب قريبا من مائة ألف نفس شيعيا إماميا مخلصا مواليا لأولياء اللّه، و معاديا لأعداء اللّه.
(١) بل حدّثني طاب ثراه انّه لمّا ورد الحلّة لم يكن في الذين يدّعون التشيّع من علائم الامامية و شعارهم، الّا حمل موتاهم إلى النجف الأشرف، و لا يعرفون من أحكامهم شيئا حتّى البراءة من أعداء اللّه، و صاروا بهدايته صلحاء أبرار أتقياء و هذه منقبة عظيمة اختصّ بها من بين من تقدّم عليه و تأخّر.
(٢) و منها الكمالات النفسانية من الصبر و التقوى، و تحمل أعباء العبادة، و سكون النفس، و دوام الاشتغال بذكر اللّه تعالى، و كان رحمه اللّه لا يسأل في بيته عن أحد من أهله و أولاده ما يحتاج إليه من الغداء و العشاء و القهوة و الغليان و غيرها عند وقتها، و لا يأمر عبيده و إماءه بشيء منها، و لو لا التفاتهم و مواظبتهم لكان يمرّ عليه اليوم و الليلة من غير أن يتناول شيئا منها مع ما كان عليه من التمكّن و الثروة و السلطنة الظاهرة، و كان يجيب الدعوة، و يحضر الولائم و الضيافات، لكن يحمل معه كتبا و يقعد في ناحية، و يشتغل بالتأليف، و لا خبر له عمّا فيه القوم، و لا يخوض معهم في حديثهم الّا أن يسأل عن أمر دينيّ فيجيبهم.
(٣) و كان دأبه في شهر الصيام أن يصلّي المغرب في المسجد و يجتمع الناس، و يصلّي بعده النوافل المرتّبة في شهر رمضان، ثمّ يأتي منزله و يفطر و يرجع و يصلّي العشاء بالناس، ثمّ يصلّي نوافلها المرتّبة، ثمّ يأتي منزله و الناس معه على كثرتهم فلمّا اجتمعوا و استقرّوا، شرع واحد من القرّاء فيتلو بصوت حسن رفيع آيات من كتاب اللّه في التحذير و الترغيب، و الموعظة، ممّا يذوب منه الصخر الأصمّ و يرقّ القلوب القاسية، ثمّ يقرأ آخرا خطبة من مواعظ نهج البلاغة، ثمّ يقرأ آخرا تعزية أبي عبد اللّه عليه السّلام ثمّ يشرع أحد من الصلحاء في قراءة أدعية شهر رمضان و يتابعه الآخرون إلى أن يجيء وقت السحور، فيتفرّقون و يذهب كلّ إلى مستقرّه.
(٤) و بالجملة فقد كان في المراقبة، و مواظبة الأوقات و النوافل و السنن و القراءة معه كونه طاعنا في السنّ آية في عصره، و قد كنّا معه في طريق الحجّ ذهابا و إيابا و صلّينا معه في مسجد