تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ١٧٨ - الفصل الخامس في وفاته عليه السّلام و ما جرى بينه و بين المخالفين
(١) فقال له أبي: ذلك عزير و عزيرة ولدا في يوم واحد، فلمّا بلغا مبلغ الرجال خمسة و عشرين عاما مرّ عزير على حماره راكبا على قرية بأنطاكية و هي خاوية على عروشها:
... قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ... [١].
و قد كان اصطفاه و هداه، فلمّا قال ذلك القول غضب اللّه عليه فأماته اللّه مائة عام سخطا عليه بما قال، ثم بعثه على حماره بعينه و طعامه و شرابه و عاد الى داره، و عزيرة أخوه لا يعرفه فاستضافه فأضافه، و بعث إليه ولد عزيرة و ولد ولده و قد شاخوا و عزير شابّ في سنّ خمس و عشرين سنة، فلم يزل عزير يذكر أخاه و ولده و قد شاخوا و هم يذكرون ما يذكّرهم و يقولون: ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنون و الشهور.
و يقول له عزيرة و هو شيخ كبير ابن مائة و خمسة و عشرين سنة: ما رأيت شابا في سنّ خمسة و عشرين سنة أعلم بما كان بيني و بين أخي عزير أيام شبابي منك فمن أهل السماء أنت أم من أهل الأرض؟ فقال: يا عزيرة أنا عزير سخط اللّه عليّ بقول قلته بعد أن اصطفاني و هداني فأماتني مائة سنة ثم بعثني لتزدادوا بذلك يقينا، انّ اللّه على كلّ شيء قدير، و ها هو هذا حماري و طعامي و شرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده اللّه تعالى كما كان، فعندها أيقنوا فأعاشه اللّه بينهم خمسة و عشرين سنة ثم قبضه اللّه و أخاه في يوم واحد.
فنهض عالم النصارى عند ذلك قائما و قاموا (النصارى) على أرجلهم فقال لهم عالمهم:
جئتموني بأعلم منّي و أقعدتموه معكم حتى هتكني و فضحني و أعلم المسلمين بأنّ لهم من أحاط بعلومنا و عنده ما ليس عندنا، لا و اللّه لا كلّمتكم من رأسي كلمة واحدة و لا قعدت لكم إن عشت سنة، فتفرّقوا و أبي قاعد مكانه و أنا معه و رفع ذلك الخبر الى هشام (و في رواية أخرى انّه لما جنّ الليل جاء ذلك العالم الى الامام عليه السّلام و رأى منه المعجزات فأسلم).
فلمّا تفرّق الناس نهض أبي و انصرف الى المنزل الذي كنّا فيه، فوافانا رسول هشام بالجائزة و أمرنا أن ننصرف الى المدينة من ساعتنا و لا نجلس، لأنّ الناس ماجوا و خاضوا فيما
[١] البقرة، الآية ٢٥٩.