تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٥٢٨ - الاولى؛ في دلائله الباهرة، و ذكر مجلس المأمون المنعقد لامتحانه
ما منعك أن لا تفرّ كما فرّ أصحابك؟ فقال له محمد الجواد عليه السّلام مسرعا: يا أمير المؤمنين فرّ أصحابي خوفا، و الظنّ بك حسن انّه لا يفرّ منك من لا ذنب له، و لم يكن بالطريق ضيق فانتهي عن أمير المؤمنين.
(١) فأعجب المأمون كلامه و حسن صورته، فقال: ما اسمك يا غلام؟ فقال: محمد بن عليّ الرضا، فترحّم الخليفة على أبيه، و ساق جواده إلى ناحية و جهته، و كان معه بزاة الصيد فلمّا بعد عن العمارة اخذ الخليفة بازيّا منها و أرسله على درّاجة، فغاب البازي عنه قليلا، ثم عاد و في منقاره سمكة صغيرة و بها بقايا من الحياة، فتعجّب المأمون من ذلك غاية العجب.
ثم انّه أخذ السمكة في يده و كرّ راجعا إلى داره و ترك الصيد في ذلك اليوم و هو متفكر فيما صاده البازي من الجوّ، فلمّا وصل موضع الصبيان وجدهم على حالهم، و وجد محمّدا معهم فتفرّقوا على جاري عادتهم الّا محمدا، فلمّا دنا منه الخليفة، قال: يا محمد! قال: لبيك.
قال: ما في يدي؟ فأنطقه اللّه تعالى بأن قال: انّ اللّه تعالى خلق في بحر قدرته المستمسك في الجو ببديع حكمته سمكا صغارا تصيدها بزاة الخلفاء كي يختبر بها سلالة بيت المصطفى.
(٢) فلمّا سمع المأمون كلامه تعجّب منه و اكثر، و جعل يطيل النظر فيه، و قال: أنت ابن الرضا حقا و من بيت المصطفى صدقا، و أخذه معه و أحسن إليه و قرّبه و بالغ في اكرامه و اجلاله و إعظامه [١].
ثم عزم المأمون على أن يزوّج ابنته أم الفضل منه عليه السّلام، فلمّا علم بنو العباس الخبر كرهوا ذلك، فاجتمعوا عند المأمون و قالوا: ننشدك اللّه يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه، فانّا نخاف أن تخرج به عنّا أمرا قد ملّكناه اللّه و تنزع منّا عزّا قد ألبسناه اللّه، فقد عرفت ما بيننا و بين هؤلاء القوم قديما و حديثا و ما كان عليه الخلفاء و الراشدون قبلك من تبعيدهم و التصغير بهم، و قد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا ما علمت حتى كفانا اللّه المهمّ من ذلك ...
[١] مستدرك العوالم، ج ٢٣، ص ٥٢٢- و البحار، ج ٥٠، ص ٥٦.