تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٥٤٥ - الثامنة
فخرج ياسر و أنا ألطم حرّ وجهي، فما كان بأسرع من أن رجع ياسر، فقال:
البشرى يا أمير المؤمنين، قال: لك البشرى، فما عندك؟
(١) قال ياسر: دخلت عليه، فإذا هو جالس و عليه قميص و دوّاج [١] و هو يستاك؛ فسلّمت عليه و قلت: يا ابن رسول اللّه، أحبّ أن تهب لي قميصك هذا أصلّي فيه، و أتبرّك به، و إنمّا أردت أن أنظر إليه و إلى جسده، هل به أثر السيف؟
[قال: لا، بل أكسوك خيرا من هذا. فقلت: يا ابن رسول اللّه، لا أريد غير هذا، فخلعه و أنا أنظر إليه و إلى جسده هل به أثر السيف؟] فو اللّه كانّه العاج الذي مسّته صفرة، ما به أثر.
(٢) [قال:] فبكى المأمون طويلا، و قال: ما بقي مع هذا شيء، انّ هذا لعبرة للأوّلين و الآخرين، و قال: يا ياسر! امّا ركوبي إليه، و أخذي السيف، و دخولي عليه فانّي ذاكر له، و خروجي عنه فلست أذكر شيئا غيره، و لا أذكر أيضا انصرافي إلى مجلسي، فكيف كان أمري و ذهابي إليه؟ لعنة اللّه على هذه الابنة لعنا وبيلا، تقدّم إليها و قل لها: يقول لك ابوك: و اللّه لئن جئتني بعد هذا اليوم و شكوت [منه]، أو خرجت بغير إذنه، لأنتقمنّ له منك، ثمّ سر إلى ابن الرضا، و أبلغه عنّي السلام و احمل إليه عشرين ألف دينار، و قدّم إليه الشّهريّ [٢] الذي ركبته البارحة، ثمّ مر بعد ذلك الهاشميين ان يدخلوا عليه بالسلام، و يسلّموا عليه.
(٣) قال ياسر: فأمرت لهم بذلك، و دخلت أنا أيضا معهم، و سلّمت عليه و أبلغت التسليم، و وضعت المال بين يديه، و عرضت الشّهريّ عليه، فنظر إليه ساعة، ثم تبسّم، فقال: يا ياسر! هكذا كان العهد بيننا، [و بين أبي] و بينه حتّى يهجم عليّ بالسيف، أ ما علم انّ لي ناصرا و حاجزا يحجز بيني و بينه؟
فقلت: يا سيّدي، يا ابن رسول اللّه (دع عنك هذا العتاب، و اصفح، و اللّه و حق جدّك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)) ما كان يعقل شيئا من أمره، و ما علم أين هو من أرض اللّه؟ و قد نذر للّه نذرا
[١] الدوّاج: معطف غليظ.
[٢] الشهريّة (بالكسر): ضرب من البراذين.