تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٩ - الفصل الرابع في جملة من كلماته الشريفة و مواعظه البليغة
و ان امرأ يسعى لدنياه دائبا * * * و يذهل عن أخراه لا شك خاسر
(١) فحتام على الدنيا اقبالك؟ و بشهواتها اشتغالك؟ و قد وخطك [١] القتير [٢] و أتاك النذير و أنت عمّا يراد بك ساه، و بلذة يومك و غدك لاه، و قد رأيت انقلاب أهل الشهوات و عاينت ما حلّ بهم من المصيبات:
و في ذكر هول الموت و القبر و البلى * * * عن اللهو و اللذات للمرء زاجر
أبعد اقتراب الاربعين تربص * * * و شيب قذال [٣]منذر للكابر
كانك معني بما هو ضائر * * * لنفسك عمدا عن الرشد حائر
(٢) انظر الى الامم الماضية و الملوك الفانية كيف اختطفتهم عقبان الايام و وافاهم الحمام، فانمحت من الدنيا آثارهم و بقيت فيها اخبارهم و أضحوا رمما في التراب الى يوم الحشر و المآب:
أمسوا رميما في التراب و عطلت * * * مجالسهم منهم و اخلت مقاصر
و حلوا بدار لا تزاور بينهم * * * و أنّى لسكان القبور التزاور
فما أن ترى الا قبورا ثووا بها * * * مسطحة تسفى عليها الأعاصر
(٣) كم من ذي منفعة و سلطان و جنود و أعوان، تمكن من دنياه و نال ما تمنّاه، و بنى فيها القصور و الدساكر و جمع فيها الاموال و الذخائر و ملح السراري و الحرائر:
فما صرفت كف المنية إذ أتت * * * و مبادرة تهوي إليه الذخائر
و لا دفعت عنه الحصون التي بنى * * * و حف بها أنهاره و الدساكر
و لا قارعت عنه المنية حيلة * * * و لا طمعت في الذب عنه العساكر
(٤) فالبدار البدار، و الحذار الحذار، من الدنيا و مكائدها و ما نصبت لك من مصائدها، و تحلت
[١] و خطك: خالط الشيب سواد شعره.
[٢] القتير: الشيب أو أول ما يظهر منه.
[٣] قذال: جمع قذل: ما بين الاذنين من مؤخر الرأس.