تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٤٧٨ - ذكر مجلس مناظرة الامام الرضا عليه السّلام مع علماء الملل و الأديان
يصيب الذات منه ما يغيّره، يا عمران هل تجد النار يغيّرها تغيّر نفسها، أو هل تجد الحرارة تحرق نفسها، أو هل رأيت بصيرا قطّ رأى بصره؟ قال عمران: لم أر هذا.
أ لا تخبرني يا سيدي أ هو في الخلق أم الخلق فيه؟ قال الرضا عليه السّلام: جلّ يا عمران عن ذلك، ليس هو في الخلق و لا الخلق فيه، تعالى عن ذلك، و سأعلّمك ما تعرفه به، و لا حول و لا قوّة الّا باللّه، أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك؟! فان كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأيّ شيء استدللت بها على نفسك؟! قال عمران: بضوء بيني و بينها، فقال الرضا عليه السّلام: هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر مما تراه في عينك؟ قال: نعم، قال الرضا عليه السّلام: فأرناه، فلم يحر جوابا.
قال الرضا عليه السّلام: فلا أرى النّور الّا و قد دلّك و دلّ المرآة على أنفسكما من غير ان يكون في واحد منكما، و لهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالا، و للّه المثل الأعلى.
ثم التفت عليه السّلام إلى المأمون، فقال: الصلاة قد حضرت، فقال عمران: يا سيدي لا تقطع عليّ مسألتي فقد رقّ قلبي، قال الرضا عليه السّلام: نصلي و نعود، فنهض و نهض المأمون: فصلّى الرضا عليه السّلام داخلا، و صلّى الناس خارجا خلف محمد بن جعفر، ثم خرجا، فعاد الرضا عليه السّلام إلى مجلسه و دعا بعمران، فقال: سل يا عمران، قال: سيدي الا تخبرني عن اللّه عزّ و جلّ هل يوحّد بحقيقة أو يوحّد بوصف؟
قال الرضا عليه السّلام: ان اللّه المبدئ الواحد الكائن الاوّل لم يزل واحدا لا شيء معه، فردا لا ثاني معه، لا معلوما و لا مجهولا و لا محكما و لا متشابها و لا مذكورا و لا منسيا، و لا شيئا يقع عليه اسم شيء من الأشياء غيره، و لا من وقت كان و إلى وقت يكون، و لا بشيء قام و لا الى شيء يقوم، و لا إلى شيء استند، و لا في شيء استكنّ. و ذلك كلّه قبل الخلق إذ لا شيء غيره، و ما أوقعت عليه من الكلّ فهي صفات محدثة و ترجمة يفهم بها من فهم.
و اعلم أنّ الابداع و المشيّة و الارادة معناها واحد و أسماؤها ثلاثة، و كان أوّل إبداعه و إرادته و مشيته الحروف التي جعلها اصلا لكلّ شيء و دليلا على كلّ مدرك و فاصلا لكلّ