تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٠٦ - الفصل الثالث في ذكر نبذة من حكمه و مواعظه و نصائحه عليه السّلام
(١) أما ما جاء في مدح الاعتزال غير ما ذكر فهو ما رواه الشيخ احمد بن فهد في كتاب (التحصين) الذي يبحث عن العزلة و الخمول، عن ابن مسعود رحمه اللّه انّه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لتأتينّ [١] على الناس زمان لا يسلم لذى دين دينه الّا من يفرّ من شاهق الى شاهق و من جحر إلى جحر كالثعلب باشباله، قالوا: و متى ذلك الزّمان؟ قال: إذا لم تنل المعيشة الّا بمعاصي اللّه فعند ذلك حلّت العزوبة، قالوا: يا رسول اللّه أمرتنا بالتزويج، قال:
بلى و لكن اذا كان ذلك الزمان فهلاك الرجل على يدي أبويه فان لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته و ولده فان لم يكن له زوجة و لا ولد فعلى يدي قرابته و جيرانه، قالوا: و كيف ذلك يا رسول اللّه، قال: يعيّرونه بضيق المعيشة و يكلّفونه ما لا يطيق حتّى يوردونه موارد الهلكة [٢].
(٢) و روى الشيخ البهائي في الأربعين انّ الحواريين قالوا لعيسى عليه السّلام: يا روح اللّه من نجالس؟
قال: من يذكركم اللّه رؤيته و يزيد في عملكم منطقه و يرغبكم في الآخرة عمله.
ثم قال الشيخ ما معناه: لا يخفى انّ المراد من المجالسة في هذا الحديث ما يشمل الألفة و المصاحبة و المخالطة فهو يشعر بانّ من فقدت هذه الصفات عنده يجب ان لا يجالس و لا يخالط فكيف بالذي له صفات ضدّها و نقيضها كأكثر أهل زماننا، فهنيئا للذي وفّقه اللّه للاعتزال و البعد عنهم، و الانس به، فانّ مخالطة هؤلاء الناس تميت القلب و تفسد الدين و تحصل بسببه ملكات مهلكة للنفس تسبّب الخسران المبين و في الحديث: «فرّ من الناس فرارك من الأسد» [٣].
(٣) و قال معروف الكرخي للصادق عليه السّلام: أوصني يا ابن رسول اللّه، فقال: قلّل معارفك، قال:
زدني، قال: انكر من عرفت منهم [٤].
و حكي انّه قيل لراهب: يا راهب، فقال: لست راهبا بل الراهب من خاف اللّه و حمده على
[١] الظاهر ان الاصح (ليأتينّ).
[٢] التحصين، ص ١٣، ح ٢٥، القطب الثالث.
[٣] البحار، ج ٧٠، ص ١١٠، ح ٩، باب ٤٩.
[٤] سفينة البحار، ج ٢، ص ١٨٨، في العزلة.