تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٤٨١ - ذكر مجلس مناظرة الامام الرضا عليه السّلام مع علماء الملل و الأديان
قال عمران: يا سيدي أ لا تخبرني عن الإبداع خلق هو أم غير خلق؟ قال الرضا عليه السّلام: بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون، و إنّما صار خلقا لأنّه شيء محدث، و اللّه الذي أحدثه فصار خلقا له، و إنّما هو اللّه عز و جل و خلقه لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما، فما خلق اللّه عز و جل لم يعد أن يكون خلقه، و قد يكون الخلق ساكنا و متحرّكا و مختلفا و مؤتلفا و معلوما و متشابها، و كل ما وقع عليه حدّ فهو خلق اللّه عز و جل.
و اعلم انّ كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس و كل حاسّة تدلّ على ما جعل اللّه عز و جل لها في إدراكها، و الفهم من القلب بجميع ذلك كلّه.
و اعلم انّ الواحد الذي هو قائم بغير تقدير و لا تحديد خلق خلقا مقدّرا بتحديد و تقدير، و كان الذي خلق خلقين اثنين التقدير و المقدّر، فليس في كل واحد منهما لون و لا ذوق و لا وزن، فجعل أحدهما يدرك بالآخر، و جعلهما مدركين بأنفسهما، و لم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للّذي أراد من الدلالة على نفسه و إثبات وجوده و اللّه تبارك و تعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه و لا يعضده و لا يمسكه، و الخلق يمسك بعضه بعضا بإذن اللّه و مشيّته، و انما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا و تحيّروا و طلبوا الخلاص من الظلمة بالظّلمة في وصفهم اللّه بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا، و لو وصفوا اللّه عز و جل بصفاته و وصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم و اليقين و لما اختلفوا، فلمّا طلبوا من ذلك ما تحيّروا فيه ارتبكوا [١] و اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قال عمران: يا سيدي أشهد أنّه كما وصفت، و لكن بقيت لي مسألة، قال: سل عما أردت، قال: أسألك عن الحكيم في أيّ شيء هو، و هل يحيط به شيء، و هل يتحوّل من شيء الى شيء، أو به حاجة إلى شيء؟
قال الرضا عليه السّلام: أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه فإنّه من أغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم، و ليس يفهمه المتفاوت عقله، العازب علمه، و لا يعجز عن فهمه أولو
[١] ارتبك في الكلام: تتعتع، و الصيد في الحبالة: اضطرب فيها، و في الأمر: وقع فيه و لم يكد يتخلّص منه.