بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٠ - ٢- الجهة الثانية في قيام الإمارات و الأصول مقام القطع الطريقي
العقاب بلا بيان، و إن أنشأت بنفسها حكما ظاهريا و نجّزته، فهو خلاف ما سيأتي من عدم منجّزية الأحكام الظاهرية مستقلا، بل هو خلف التنزيل.
و هذه الشبهة مع شبهة ابن قبّة صارتا محورا و أساسا لأكثر المطالب الّتي ذكرت فيما بعد، كما أنّها حرّكت علماء الأصول و الفكر الأصولي، ففرّعوا عليها كل ما هو جديد في مسألة حجيّة الإمارة و القطع و الأحكام الظاهرية، يلتمسون بذلك تخريجات و تفسيرات لحقيقة الحكم الظاهري و كيفية الجمع بينه و بين الحكم الواقعي.
و الصحيح: هو انّ هذه الشبهة، لا أساس لها على مبنانا، و إنّما هي شبهة تامة بناء على مسلك القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و ذلك لأنّه بعد إنكارنا لهذه القاعدة، و البناء على مسلك حق الطاعة للمولى في موارد الشك و الجهل بالواقع، تصبح الإمارة منجزة، و تصبح هذه الشبهة بلا موضوع، لأنّ مقتضى الأصل أن يصبح التكليف المولوي منجزا إذا وصل إلى المكلّف بأيّ درجة من درجات الوصول، سواء كان مقطوعا، أو موهوما، فتكون الإمارة منجزة لكونها مؤكدة و موجبة لإلزام المكلّف اتجاه مولاه بما دلّت عليه.
إذن: كل تكليف غير مقطوع العدم هو منجز، و نحتاج لرفع اليد عن تنجزه إلى القطع بإذن الشارع.
و بناء على هذا، فلا موضوع لتلك الشبهة، لأنّ الإمارة، إمّا أن يفرض أنّها تنجّز التكليف المشكوك، و ذلك بأن تثبت وجوبا أو حرمة، و إمّا أن يفرض أنّها معذرة، بمعنى أنّها تثبت الرخصة.
و القسم الأول، هو مورد الشبهة، حيث يقال: كيف تنجز الواقع المشكوك مع أنّه يقبح العقاب بلا بيان؟.
فنقول: إن تنجز الواقع على القاعدة، و الإمارة ليست إلّا مؤكدة