بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٥ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
و حاصل هذه الفرضية، هو، انّ الحسن و القبح عبارة عن حكمين مجعولين من قبل العقلاء، و هذان الحكمان يتميزان عن سائر الأحكام العقلائية في نكتة: و هي انّ الحسن و القبح حكمان تطابق العقلاء على جعلهما، لا أنّه حكم مجعول من قبل بعض العقلاء دون بعض، و ذلك باعتبار تطابق العقلاء على إدراك المصالح و المفاسد الّتي من وراء ذلك، فالحسن و القبح إذن قضية إنشائية جعلية، و ملاك هذا القضية الإنشائية هو تطابقهم في إدراك الملاك و هو المصلحة و المفسدة، فإنّهم كلهم يدركون المصلحة فيما يحكمون بحسنه، و المفسدة فيما يحكمون بقبحه، و من هنا كان هذا الحكم عاما و قضية مشهورة.
و مثل هذه الفرضة أيضا هي مدّعى أكثر من واحد ممّن فسّر الحسن و القبح بأنّهما موقفان عمليان للعقلاء لا حكمان مجعولان، إذ في جملة من كتب المنطق فسّر الحسن بمعنى مدح العقلاء، و القبح بعنى ذمّهم، و المدح و الذمّ فعلان من أفعال العقلاء فيهما جنبة إيجادية لا إخبارية و كاشفيّة.
و هذا روحه روح الأول، فهو و الأول يشتركان في كون الحسن و القبح قضية إنشائية.
نعم، يبقى انّ الحسن و القبح بالبيان الأول حكمان مجعولان، و بالبيان الثاني يكونان موقفين عمليين للعقلاء.
سواء كان الأول، أو الثاني، فملاكهما واحد هو المصلحة و المفسدة، بدعوى أنّنا لا ندرك شيئا آخر في الخارج وراء المصلحة و المفسدة في الأفعال، و إذا وجدنا ذمّ العقلاء و مدحهم فإنّما هو تبعا للمفسدة و المصلحة.
و هذه الفرضية لا تنطبق على كلمات أصحاب هذا المسلك من