بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٦ - ٢- المقام الثاني في العقل العملي
لاستكشاف وجوب الصدق أو حرمة الكذب، ما لم نضمّ إليه قانونا و قضية أخرى من العقل النظري هي قانون الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، و انّه كلّما حكم به العقل حكم به الشرع، فإذا ثبت هذا التلازم، حينئذ، يمكن استكشاف الحكم الشرعي من العقل.
و قد توهم بعض الأكابر كما ورد في كلماته [١]، انّ الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع واضحة في المقام، باعتبار انّ الشارع سيّد العقلاء فإذا حكم العقلاء بحكم بما هم عقلاء، كان الشارع في طليعتهم و أول الحاكمين به، و من هنا قال المحقّق الأصفهاني (قده)، انّ التعبير بالملازمة، فيه تسامح، بل الأنسب التعبير بالتضمن، أي انّ حكم العقل و العقلاء يتضمن حكم الشارع لاندراج الشارع في العقلاء، فيكون حكمه ضمن حكمهم.
و لكن هذا الكلام غير تام، و ذلك لأنّ الحسن و القبح ليسا حكمين مجعولين من قبل العقلاء كي يقال: انّ جعل العقلاء لحكم يكشف عن جعل الشارع له، لأنّه منهم، بل سيّدهم، بل الحسن و القبح أمران واقعيان ثابتان في لوح الواقع، و قولنا: العقلاء يحكمون بهما، يعنى:
انّهم يدركونهما لا أنّهم يشرعونهما و يجعلونهما، فحينما نقول: بأنّ العقلاء يدركون الحسن و القبح، نقول أيضا، إنّ الشارع يدركهما ضمنا، لكن فرق بين إدراك الشارع لشيء، و بين جعله الحكم على طبقه، فإنّ إدراك الحكم لا يلزم منه جعله لا التزاما، و لا تضمنا، إذن فإدراك العقلاء لشيء و إن كان يتضمن إدراك الشارع، لكن حكمهم على شيء، لا يتضمن حكم الشارع عليه أصلا و لا يلزمه.
و كأنّ هذا الكلام صدر عن الأصفهاني (قده) بناء على مبناه في
[١] نهاية الدراية: الأصفهاني، ج ٢، ص ٨- ١٢٤.